ملاحظات على هامش المعركة.. لماذا تغضب النساء؟

قسم : مقالات   

بين فترة وأخرى تتكرر الهجمات على النساء والنسويات تحديدا بسبب تصريح مجتزأ من سياقه وكأن المشكلة الأساسية التي يعاني منها المجتمع هي النسويات والمطالبات بحقوق وحريات النساء. وفي خضم التراشق بين أغلب الأطراف تضيع القضية الأساسية ولا تحدث مناقشات عقلانية ومنطقية لأي شيء فنظل ندور في حلقات مفرغة من المعارك التي لا تكرس سوى لتعميق الشروخ بين مجموعات مختلفة من المجتمع. 

وهنا لدي مجموعة من الملاحظات على تلك النوعية من المعارك كمحاولة لفتح باب مناقشة حقيقية لمن أراد/ت

 

أولا

معركة النساء ليست مجرد صوت عالي وما يجري الآن -رغم أية ملاحظات عليه- هو موجة من موجات متكررة لن تنتهي حتى يتم حل المشكلة التي تثير الغضب.. المشكلة في جوهرها هي عدم المساواة والتمييز وعدم تكافؤ الفرص والتفاوت الاقتصادي بين النساء والرجال في العالم..

هي في جوهرها صرخة رفض للظلم الذي تراكم على مدار قرون طويلة ممتدة من تاريخ الجنس البشري..

نعم هناك ثغرات وأخطاء واستغلال وتسرع وعصبية وانفعال.. لكن مواجهة تلك الثغرات والأخطاء لن يكون بالتجاهل أبدا ولا بمحاولة قمع الغضب وإعادة النساء للتعايش مع منظومة القوى القديمة..  القمع أو التجاهل لن ينتج عنه سوى موجات أكثر غضبا وأقل عقلانية كل مرة..

 

ثانيا:

العنف الجنسي هو ميدان معركة جزء من المعركة الأكبر (المساواة وتكافؤ الفرص).. وفي هذا المجال لعبت آلية نشر الشهادات التي تُجَهِّل هوية الناجيات من العنف دورا مهما في فضح أشكال العنف الجنسي التي كانت حتى وقت قريب جدا من التاريخ البشري مسكوتا عنه في كل أنحاء العالم بل ومقبولا  أيضا..

تلك الآلية الآن مُهددة -على الأقل في مصر- بفقدان مصداقيتها وهو ما سينعكس سلبا على القضية النسوية برمتها حيث التشكيك في قصص النساء كلها وبالتالي يجب الانتباه لإغلاق الثغرات التي تم استغلالها للتشكيك في الشهادات وأعتقد ان هناك الكثير من الاقتراحات الجيدة تم تقديمها في هذا الشأن جوهرها أهمية وجود جهة أو منصة أو شخص موثوق يحمل الشهادة المجهلة للعلن ويقبل تحمل جانيا من التبعات المجتمعية والقانونية التي تترتب على النشر.

تجاهل تلك الثغرة لن يضر مجموعة بعينها ولكن سيضر بالآلية وينتج عنه تشكيك في صدق القضية كلها ويشجع على تجاهلها لأمد أطول واستمرار  اختلال ميزان الفرص والثروة والنفوذ بين النساء والرجال.

 

ثالثا:

لا يوجد طريقة وحيدة صحيحة يجب على جميع النساء اتباعها وبالتالي ترهيب من يتبنين طريقة مغايرة لا يحقق سوى مزيد من التفتيت وخلق صراعات وهمية بين النساء وبالتالي استمرار الأنماط السائدة من الظلم لعقود جديدة ..

لكل طريقة مزاياها وعيوبها ولكل شخص/مجموعة/منظمة/ حزب.. الخ اختيار الطريقة التي تراها/يرونها مناسبة في سبيل الوصول للمساواة ومزيد من العدالة في إعادة توزيع الفرص والنفوذ والثروات بين النساء والرجال.

من ترفض آليات الفضح والتشهير ليست بالضرورة ضد حقوق النساء. الآلية التي خلقت مزيدا من الوعي بالمسكوت عنه وأخرجت قصص العنف من صناديقها السوداء ووضعتها على طاولة المناقشة والجدل المجتمعيين لها مضارها التي تطال النساء  أيضا وبالتالي يحق للنساء الاختيار استخدامها من عدمه. الفضح والتشهير مهمان وقد يكونان السبيل الوحيد في بعض الحالات لكن في حالات أخرى لن تكون هي الطريقة الأفضل والفيصل هو اختيار (الناجية) ومدى القدرة على الوصول إلى النتيجة النهائية المطلوبة. فالفضح ليس هدفا ولكنه مجرد آلية من بين آلاف الأليات.

 

رابعا:

احترام الاختيارات المختلفة ضروري وواجب وفي رأيي الشخصي نسوي في جوهره.. فالنسوية نظريا تخوض معركتها لجعل العالم أكثر تقبلا للاختلافات الجندرية ومراعاة لها فلا ينبغي أبدا رفض الاختلافات في معركة جوهرها قبول ومراعاة التنوع. فمثلا لكل منا خلفيتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وخبراتها الشخصية التي تؤثر في اختياراتها للآليات والمعارك.. من اعتادت في خبرتها الشخصية على أن لا شيء ينتزع دون معركة كبيرة ودون وجع كبير ستثير معركة كبرى حول كل تفصيلة تخصها أو تلمسها. بينما من وجدت في خبرتها دعما من محيطها الاجتماعي وتمكنت من حل معاركها الشخصية دون معارك وأوجاع كبرى ستفكر ألف مرة قبل خوض أي معركة. وبالتالي لكل خبرتها ولكل اختياراتها وعلى الجميع احترام تلك الاختلافات في الاختيارات.

وأيضا لكل منا اختياراتها في عدد الخطوات التي ستتخذها للأمام, قد تقرر واحدة أن تخطو خطوة واحدة بينما تقرر أخرى أن تقفز عشر خطوات, ويجب احترام كل الخيارات طالما الهدف هو التطور والسعي في اتجاه المساواة والتحرر. الإجبار على اتخاذ خطوات أكثر أو السير بسرعة أكبر نحو الحقوق قد يؤتي بنتائج عكسية تدفع ثمنها المرأة التي تم دفعها أكثر من قدرتها على الاحتمال. 

البعض يمارس نفس القمع على النساء ولكن في اتجاه مغاير , تماما على طريقة الحركات السياسية التحررية التي استخدمت التنظير لحرية الجسد طريقة لدعم استمتاع الذكور بأجساد النساء. والآن البعض يدفعن النساء نحو ما يرونه “النسوية الصحيحة” وإلا يتم إخراجهن من “قطيع النسويات الحقيقيات”. دفع النساء بقوة في اتجاه معاكس لاتجاه المجتمع لن يكون مفيدا ولا يحقق نتيجة إيجابية للقضية إلا إذا اختارت المرأة ذلك وكانت واعية باختيارها وبتبعاته وبالتالي قادرة على تحمل تلك التبعات أو مواجهتها بدعم زميلاتها.

الآليات الذكورية لن تحقق نتائج نسوية حتى وإن تبنت شعارات نسوية.

 

خامسا:

رفض السلطة المجتمعية على أجساد النساء لا يعني رفض المجتمع بكل مكوناته, فالهدف هو العمل على تطوير هذا المجتمع ووقف انتهاك النساء وهو ما سيعود بالنفع على البشرية كلها نساء ورجالا.

تطور المجتمعات البشرية أنتج الذكورية لكنه أيضا وبعد وعي النساء بمعركتهن أنتج النسوية, والمعركة الآن هي نشر مزيد من الوعي النسوي في المجتمعات المختلفة وليس رفض تلك المجتمعات والانفصال عنها.

فالمجتمع ليس وحدة واحدة متناسقة, المجموعات النسوية تركيبات مجتمعية, والأسر الداعمة للنساء وحدات مجتمعية وجماعات الصديقات الداعمات وحدات مجتمعية.

الغالب في البيئات الاجتماعية المختلفة هو ظلم النساء وقهرهن, والمعركة مع تلك البيئات ليست إعلانا للحرب عليها ولكن على “ظلمها للنساء” والفارق كبير جدا بين الاثنين .

 

سادسا:

النساء لسن “قوارير” ولسن مهيضات الجناح .. كثيرات منهم مقهورات ومظلومات لكن يوما بعد يوم تخرج مقاتلات جُدد ينتزعن حقوقهن.. وتصوير النساء كضحايا دائمات لا يفيد سوى استمرار النسق السائد الذي يفترض فيهن الضعف ويتطلب الحماية..

لسنا ضعيفات ولسنا مهزومات بل نقاتل من أجل ما نراه حقوقنا حتى وإن رأت الغالبة غير ذلك, وندفع الثمن غاليا في تلك المعركة من أرواحنا وأجسادنا.

الخلط بين المعاناة خلال خوض المعركة والرغبة في كسب حلفاء وبين الضعف والاحتياج الدائم إلى مساعدة يفيد النسق الذكوري ولا يخدم النسوية. عدم الاحتفاء بالإنجازات مهما كانت صغيرة يصيب كثيرات منا بالإحباط والميل إلى قبول الأمر الواقع.

 

سابعا

السعي نحو العدالة لا يعني الظلم, ولن يتحقق بآليات ظالمة. النسوية هدفها تحقيق العدل للنساء وليس ظلم الرجال.  إعادة إنتاج الظلم في الاتجاه المعاكس لن يحقق العدالة تماما كما أن قاعدة العين بالعين ستملأ العالم بالعميان.

 

ثامنا

القانون أحد ميادين المعركة النسوية.. والتعديلات التشريعية المتتالية في كل دول العالم هي تعبير عن المستوى الذي وصل إليه هذا المجتمع أو ذاك من تطور. حقوق النساء يجب أن تكون في قلب تلك المعركة وهو ما لن يحدث بتجاهل القانون, ولكن بالحرص على تطبيقه وإبراز نواقصه ثم السعي لتعديله.

المسار القانوني ليس هو المسار الوحيد ولا هو المسار المناسبة دائما, لكن مجرد طرح جدل قانوني حول الثغرات المختلفة هو بداية مهمة, وهو مسار تاريخيا مكن النساء من التصويت والانتخاب والحصول على ذمة مالية مستقلة ومنح جنسيتهن لأبنائهن في الكثير من البلدان,  ووقف زواج المغتصب من الضحية للإفلات من العقوبة في كثير من البلدان, وتجريم التحرش في أغلب دول العالم.. الخ

 

تاسعا:

المشاعر الإنسانية ليست جريمة, من حق الجميع الميل لتبرئة شخص ما من اتهام ما خصوصا لو كان هذا الشخص من الدوائر المقربة (الأسرة أو الأصدقاء). المطلوب هو عدم مهاجمة من تُعلن الشكوى أو التشهير بها وليس إنكار الحق في التعبير عن المشاعر الشخصية برفض التصديق.

كما أن تصديق الناجيات ليس “شيكا على بياض” لأي طرف ضد أي طرف وليس حكما نهائيا بالإدانة. هو آلية تهدف لدعم النساء بعد تجربة صعبة وتدفع للتعامل مع الشكوى بجدية, والتحقيق فيها بنزاهة وشفافية.

 

عاشرا:

النسوية بناء فكري يكتسب زخما ونضجا بتفاعل كل المكونات المختلفة وليس بالإقصاء. اختلاف الأجيال يمكن أن يكون مسارا هاما للبناء ولتماسك (وليس توحيد) وتطوير النظرية والحركة النسويتين.

ما أنتجته الأجيال السابقة حتما ليس كافيا اليوم وإلا لما كان الحراك مستمرا, لكن نفي كون تلك الإنجازات (الضئيلة حاليا- والثورية سابقا) يضر أكثر مما يفيد..  ننتقد أخطاء النساء من الأجيال السابقة.. ونتقبل الانتقادات لجيلنا, لكننا حتما نبتهج ونقدر إنجازات النساء في كل المراحل ولا ننكرها لأن التطور لا ينبني على فراغ.