بين الواقع والدراما.. تناقض صارخ يثير الغضب والحزن

قسم : مقالات    الكاتب :

الواقع المؤلم يقول أنه في عامي 2020 و 2021 قضى أحد أفراد أسرتي ثمانية أشهر من حياته متنقلا بين أماكن احتجاز مختلفة دون سبب حقيقي ودون تحقيق حقيقي ولا حتى شبهات منطقية ودون إجراءات قانونية حقيقية أيضا. ويقول أيضا أنه خلال كل ذكرى وطنية أو أية مناسبة لها علاقة بثورة 25 يناير يكون القلق هو الشعور الوحيد الذي يسيطر علي ويكاد الخوف على أبنائي أن يقتلني وأضيق عليهما الخناق وأكاد أمنعهما من الخروج حتى وإن كان له علاقة بدراستهما.. كل هذا لمجرد الخوف من أن يتم احتجاز أحدهما للاشتباه خلال حملات التفتيش العشوائية في محيط ميدان التحرير الذي يبعد عن مكان سكننا بمجرد دقائق سيرا على الأقدام.

في مقابل الواقع المؤلم الذي لا يترك داخلي سوى القلق والخوف والغضب ترسم دراما رمضان صورة مغايرة تماما لضباط أقرب للملائكة, فهم أقرب للعدل والتسامح والخير وإنكار الذات من أي بشر طبيعيون يمكن مقابلتهم في الحياة .. التناقض الصارخ بين الواقع القميء والصورة الغريبة التي ترسمها الدراما يثير الاشمئزاز والغضب. فمهما كانت تضحيات رجال الشرطة في مواجهة الإرهاب لا يمكن تبرير الحبس العشوائي الذي يترك داخل نفس كل شخص مر بتلك التجربة ندبة لا تنتهي ويترك داخل نفوس كل عائلته مرارة لا تزول, حتى فرحة اللقاء تظل في أغلب الأحوال مشوبة بغضب ومرارة التدابير الاحترازية غير المبررة وحسرة العجز وعدم القدرة على اتباع أية مسارات قانونية لاستعادة الحق في الكرامة المهدرة والحياة التي غالبا ما تتدمر سواء بسبب تشويه السمسعة بعد الحبس بشبهات كاذبة وغير حقيقية حول التورط في الإرهاب أو بسبب فقدان الوظائف أو بسبب مرور عشرات ومئات المناسبات العائلية والأسرية التي لا يلتئم فيها شمل العائلة  بسبب الحبس.

كيف يمكن لمن يمر بمثل تلك التجربة أن يتعاطى مع الصورة الخيالية التي ترسمها دراما أمنية بامتياز تسعى جاهدة للقول بأن الضباط سواء من الشرطة أو الجيش لا يخطئون ويسمون على الصغائر ولا يلقون القبض على شخص سوى بعد إتمام تحريات حقيقيىة وموثوقة ولا يسيئون معاملة أي من المقبوض عليهم  ولا يتربصون بأهله وأسرته بعد القبض عليه. الواقع يؤكد أن الدراما كاذبة بامتياز, ولأن الواقع طال آلافا مؤلفة من الأسر المصرية أصبح معروفا للجميع وحتى الكذبة التي تستهدف الدراما الأمنية الترويج لها لن تأتي بنتيجة حقيقية لكنها ستكرس للغضب والوجع والإحساس بالعجز أمام الظلم.

أعرف أن خطر الإرهاب حقيقي جدا, وأن التطرف الديني مرعب ويمكنه أن يدمر الدول ويحصد عدد لا نهائي من الأرواح, وأعرف أن مصر مرت بمرحلة من أخطر المراحل في تاريخها الحديث بعد ثورة يناير وخصوصا خلال سنوات 2013 وحتى 2017 .. لكن ذلك الخطر لا يمكن أن يكون مبررا لنشر الحزن والعجز بين المصريين , الرعب الذي ينشره الإرهاب لا يمكن مواجهته بنشر رعب مضاد من القبضة الأمنية الظالمة والقبض العشوائي على المواطنين في الشوارع. والشر لا يمكن مواجهته بنوع آخر من الشر ولكن بتطبيق العدالة الحقيقية التي تنشر شعور الأمن والطمأنينة وتدعم الثقة بين المواطنين وبين الدولة التي يعيشون فيها فيزيد شعورهم بالانتماء إليها والخوف عليها وتقدير دور القائمين على أمنهم وحمايتهم.

أما مواجهة الشر والرعب بنشر أنواع أخرى من الشرور والرعب لن ينتج سوى كسرة ووجع وإحساس بالعجز يتحول إلى كراهية وغضب وينتج بدوره نوعا جديدا من الشر. ولن يفيد هنا أية صورة زائفة مهما كانت ملائكية تحاول الدراما الأمنية الترويج لها, بل على النقيض ستكون النتيجة هي مزيد من الغضب والكراهية وأحيانا العنف.

بالنسبة لي على المستوى الشخصي أواجه الظلم بالصبر والاستمرار في الطريق الذي أراه صحيحا ومراجعة نفسي من فترة لأخرى كي لا أسمح للغضب والشعور بالعجز أن يدفعاني إلى طريق مغاير لما أصدق فيه. لكن لا أعتقد أن تلك هي الطريقة التي سيكون عليها رد فعل آلاف آخرين, بعضهم سيندفع نحو اتجاهات أقرب للتنظيمات الإرهابية, والبعض سينكسر ويفقد بوصلته وهدفه في الحياة تماما ويصبح كل همه الابتعاد عن الدولة ومن يمثلونها تجنبا للمخاطر, وآخرون سيحاولون الأخذ بثأرهم بعيدا عن القانون الذي فقدوا الأمل فيه, وآخرون سيكتئبون وينتحرون, .. عشرات الاحتمالات كلها لن يكون مفيدا لا في سبيل مكافحة التشدد والإرهاب ولا في سبيل تعزيز الوطنية والانتماء.

إذا كان هناك عقلاء في تلك المنظومة فبالتأكيد سيدركون أن الظلم لن ينتج عنه خيرا أبدا, والدراما المصنوعة بمعايير أمنية لن تكون قادرة على مواجهة غياب العدالة ولا على مكافحة الإرهاب. كل ما سيحدث هو دفع شرائح وقطاعات متعددة للشك في دقة وصحة ما يتم نشره من معلومات عن خطر الإرهاب وعن الاشتباهات والاعتقالات وحتى الأحكام التي تصدر ضد المتهمين بالإرهاب والعنف. في العدالة الحقيقية نجاتنا جميعا من الإرهاب ومن الظلم والعجز وليس عبر دراما كاذبة.

إذا كان هنلاك عقلاء سيدركون أن سد كل طرق العدالة الحقيقية أمام الجميع لن يفيد سوى في الدفع نحو نوبة غضب جديدة ويدفع مزيدا من المظلومين لتصديق ما يروج له الإرهابيون من أن العنف هو الطريق الوحيد لرد المظالم.

إذا كان هناك عقلاء سيدركون أن الخوف من “تثوير المجتمع” لا يمكن مواجهته بالظلم والقمع ولكن بتوفير حياة كريمة لغالبية أفراد هذا المجتمع وفتح طرق قانونية لاستعادة الحقوق ورفع الظلم.

إذا كان هنلاك عقلاء سيدركون أن مواجهة “دراويش الدين” الذين ينشرون التطرف لن يكون ممكنا بنشر “دراويش الوطنية” الذين يلقون بالاتهامات الظالمة ضد كل من ينتقد القمع والظلم, بل سيستمعون للأصوات التي تشير إلى الأخطاء باعتبارها صافرات إنذار تساعد على التعرف على المشكلات والسعي لحلها.