نفيسة الصباغ تكتب الأم المفترية ذلك أفضل جدا

قسم : مقالات   

تلك الأم الحنونة التي تفني نفسها في سبيل الأبناء وتقوم بعمل كل شيء لهم ابتداء من الطعام والشراب والتنظيف مرورا بالرغبات المفاجئة في اختيار أصناف المأكولات والمشروبات وطلب تجهيز قطع بعينها من الملابس وقت الخروجات..

تستيقظ فجرا لتبدأ في التنظيف والترتيب وإعداد الإفطار.. هذا يطلب بطاطس وبرجر والآخر يرغب في الفول وتلك تحب منتجات الألبان.. كل من الأبناء والبنات له مطالبه في اختيار الطعام.

وهي تعد لكل منهم ما يريد.. إذا كانت تعمل تخرج مسرعة إلى عملها بعد جولة التنظيف والإفطار والإعداد لطعام الغذاء لتعود مسرعة كي تستكمل مسيرتها في المطبخ وإعادة تنظيف ما دمره الأبناء.. ثم تدخل جولة المذاكرة للصغار وغسيل الملابس وكيها لتكون جاهزة لليوم التالي.. بعدها تبدأ مرحلة إعداد العشاء تليها جولة أخرى بين الأواني في المطبخ لتنظيفها بعد انتهاء الأبناء والزوج من طعامهم.. وبين هذا وذاك تلبي لأحدهم طلبا بكوب من الماء أو الشاي أو العصير.. أو بلقمة سريعة بين الوجبات. هو النموذج الذي يقدم غالبا لنا باعتباره الأم المعطاءة الحنون التي يعتبرها الكثيرون نموذجا للأم “الحقيقية” التي يجب أن تفنى في سبيل راحة أبنائها وزوجها.. يكبر الأبناء ويتزوجون وينصرفون عنها

– هي طبيعة الأشياء في عالم مجنون كعالم اليوم فلا مواعيد إنسانية للعمل ولا فرصة للراحة والفسحة ولا رفاهية الاكتفاء بوظيفة واحدة لإعالة الأسرة.. تظل هي وحدها بعد عقود من العمل كنحلة من الفجر وحتى الساعات الأولى من اليوم التالي ويكاد يكون مستحيلا تغيير تلك العادات.. وتبدأ مرحلة الحزن والغضب من الأبناء الذين تركوها وحيدة..

وحين يزورها الأبناء لا تنعم ببعض الراحة فيما يخدمونها هم كما فعلت سابقا… بل تستعيد نشاط النحلة رغم العمر وأحيانا المرض أيضا وتبدأ في تدليل كل منهم.. وهم يرونها سعيدة فتسعدهم الحالة ويستمتعون بالتدلل.. في بيوتهم.. ينتظر الرجال- غالبا- نفس الأداء من الزوجة وكثيرون منهم يقلبون حياة زوجاتهم إلى جحيم حين لا يقمن بنفس الدور وبنفس الكفاءة والفاعلية باعتبار أن هذا هو الطبيعي ولم لا وقد كانت أمهم تفعل هذا طول العمر ولم تشكو بل كانت سعيدة؟؟ والنتيجة إعادة إنتاج دائرة من القهر –تكون أحيانا طوعية بقبول المرأة لها.

وفي أحيان أخرى ترفض المرأة أن تلعب نفس الدور فالزوج ليس ابنا لكنه رجل كبير مسئول قادر على المشاركة في تحمل متاعب الحياة ومصاعبها وكما تعمل هي لتسهم في الإنفاق على الأسرة فعليه أن يساعدها أو على الأقل أن يتحمل عبء نفسه كأن يترك دولابه مرتبا أو يضع الملابس المتسخة في مكانها وألا يرمي بالأشياء في كل أركان المنزل ثم يطلب منها التنظيف.. تبدأ المشكلات في حياة الأبناء بسبب تلك الأم الحنون العظيمة.. وتتهدم بيوت بسببها أيضا.. وتعاني نساء أخريات لأنها رسخت داخل أبنائها أن المرأة لا تتعب وأنها بسبعة أرواح تتحرك كنحلة وتصبر كجمل وتضحك في وجه الجميع وتلبي رغبات الجميع من أبناء وزوج وأقارب وتكون سعيدة في الوقت نفسه.. هي نفسها الأم التي غالبا لا يتعلم أبناؤها كيف يتحملون مسئولية أنفسهم وبالطبع لا يمكنهم تحمل مسئوليتها حين تكبر في السن.. فتظل وحيدة في منزلها ترجو رؤية أحدهم بين الحين والآخر وحين يأتون تفرح وكأن شيئا لم يكن ولأنهم اعتادوا أن تخدمهم يتركونها لتمارس هوايتها في تدليلهم مرة أخرى..

وكل منهم مقتنع أنها سعيدة بهذا الشكل.. وهي تكون بالفعل سعيدة لكنها غير مدركة أنها مستمرة في إرهاق روحها وفي الإضرار بأبنائها وزوجاتهم.. تلك الأم نفسها هي من تربي بناتها على أن يكن قادرات على الاحتمال إلى أبعد الحدود وأن يكررن النموذج مرة أخرى فلا ابن يساعد في ترتيب غرفته ولا زوج يساعد في أي من أعمال البيت ولا أحد يحمل عنها جانبا من مسئولية المنزل بخلاف مسئولية عملها.. تكبر الفتيات ليتحملن الأزواج ويصبرن كثيرا على الإهانات وأحيانا الضرب والعنف.. قد تخور قواها فتنفصل حين تفقد قدرتها على احتمال المزيد وقد تتمكن من الاستمرار وأداء نفس الدور مع الأبناء والزوج لتكرر الدائرة الجهنمية..  امرأة تعمل ليل نهار داخل المنزل وخارجه وذكور يتدللون ويعملون خارج المنزل فقط ثم يطلبون منها تقدير إرهاقهم وتوترهم وأحيانا إهاناتهم وعنفهم.. وعندما يتقدم العمر بالأب والأم تضاف مسئوليتهما إلى مسئوليات الفتيات اللاتي تعودن على العطاء فقط فيتحملن المسئولية مرحبات ومكتفيات بالدعوات الصادقة والمخلصة التي تتمنى لهن الصحة والستر والرضا..

 على الجانب الآخر هناك نموذج “الأم المفترية”- أو هكذا يسميها الكثيرون.. تبدأ في طلب المساعدة من الصغر ففي سن الثالثة أو الرابعة تبدأ في تحميل طفلها مهمة ترتيب غرفته وإعادة الأشياء إلى مكانها الصحيح الملابس النظيفة في الدولاب حتى وإن تكومت على بعضها في البداية..

فالصغير سيتعلم مع الوقت.. واللعب في صندوقها وغير مسموح أن تتناثر لساعات في أرجاء البيت فيما هو يشاهد التلفاز.. الأطباق بعد الانتهاء من الطعام يدخلها الصغير إلى المطبخ.. قد تقع مرات عدة وبالتالي تحرص على أن تكون أطباقا غير قابلة للكسر.. بعد سنتين أو ثلاث تبدأ إضافة مهام جديدة للأبناء أولاد وفتيات كالمساعدة في التنظيف وترتيب الغسيل وتشغيل الغسالة وإخراج الطعام من الثلاجة.. وهكذا كل عام تضاف مهمة صغيرة جديدة للأبناء وحين يصلون سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة يكون كل منهم قادر على القيام بكل شيء التنظيف والتلميع والغسيل والكي والطبخ.. مثل هؤلاء الأطفال يكبرون منشغلين تماما طوال يومهم فهناك القليل من وقت الفراغ والكثير من المسئوليات.. يدركون أن كل مهمة من تلك المهام متعبة ومرهقة وبالتالي حين يتزوجون يساعدون زوجاتهم.. وحين تتزوج الفتيات لا يصبرن على إهانات الأزواج- إن حدث فهن يتعلمن غالبا حسن الاختيار- وحين تكبر الأم “المفترية” أولا لن تكون صحتها استهلكت بنفس طريقة “الأم الحنون”.. فتكون أكثر قدرة على خدمة نفسها.. كما أن أبنائها سيكونون أكثر إدراكا لوضعها وأكثر قدرة على تنظيم وقتهم وخلق مساحة دورية لزيارتها ومتابعة احتياجاتها..

فجميعهم اعتادوا تحمل المسئولية ولم يتعودوا انتظار أن يخدمهم شخص آخر حتى وإن كانت الأم.. والبنات سيكبرن أكثر قدرة على تحديد قدراتهن وتقييمها وتقييم جهدهن وأهميته والإصرار على المشاركة لا الاستعباد.. فسيرفضن الإهانات ويخترن أزواجا يساعدن في تحمل مسئوليات الحياة داخل وخارج المنزل أو على الأقل لا يعنفوهن حين يتأخر الغسيل مرة أو حين تكون المرآة ليست لامعة بالقدر الكافي.. وسيربين جيلا جديدا من الذكور والإناث القادرين على المشاركة في كل مناحي الحياة.. كما سيمكنهن وقت الحاجة أن يدعمن الزوج إذا فقد عمله أو أصابته أزمة صحية.. وإذا توفي الزوج فتلك النوعية من النساء تدرك جيدا كيف تكون أب وأم في الوقت نفسه رغم صعوبة الدور ولن تعلق أملها على “رجل” آخر لمجرد أنه سينفق أو سيكون حازما مع الأولاد.. باختصار.. الأم “المفترية” أفضل جدا.