هايدي النشرتي تكتب: الباب والسر (قصة قصيرة)

 

ربما تكون هذه هي المرة الأولى لي في الكتابة والأخيرة، فأنا لم أنوي كتابة مذكراتي من قبل وكنت كلما شرعت في كتابتها

ألقيها بعيدا. أما عن عقلي، فقد كنت أحاول أن أتناسى ولكنه فشل في هذه المهمة، وسئمت من تحكمه في كل شيء كأنه شخص آخر بداخلي يتحكم بتصرفات ارفضها أما هو فمصر على فعلها.. هكذا ظهرت مذكراتي للعلن. 

 

عندما كنت في أخر أيامي في القاهرة بعد قرارات عديدة قد آخذتها، كنت أبحث عن السر، عن الباب الذي سوف أعرف منه الحقيقة. وأنا صغيرة كان حلمي أن أكون رحالة وألف العالم، ولكن ليس ذلك العالم بل عالم آخر قد رايته مرة في الحلم.

 

"طلعت يا محلي نورها شمس الشموسة"، لازالت هذة الغنوة تتردد في عقلي طوال الليل بعد حضوري حفل لمرسيل خليفة في لبنان السنة الماضية. لازلت أتذكر تفاصيل الحفل والعود الذي كان يعزف عليه أيام جميلة، أتذكرها الآن وأنا أبحث عن تجربة جديدة بعد أن فشلت جميع تجاربي الماضية، فقدت الأمل في أن انجح في شيء، أصبحت وحيدة الآن، حملت حقائبي وراء ظهري الي رحلة طويلة لأتغير أو لأنسى.

والآن، وأنا على مشارف إسبانيا، أتطلع إلى أشياء كثيرة تلمس قلبي من جديد، جلست على رصيف القطار انتظر الذاهب إلى غرناطة. جاء رجل عجوز وجلس بجانبي وأخرج العود من حقيبته وبدأ العزف وتجمع الناس حولنا، تغلغلتني صوت الموسيقى و بدأ الدم يتدفق بشدة في فؤادي، أغمضت عينيي ورأيت ذلك الأمير ذو العينان البنيتان، فتح باب كأنه باب قصر من قصور القصص الخرافية، فرأيت أعلام خضراء ترفرف في السماء، آيات الرحمن مكتوبة بمياه الذهب على الجدران، و القساوسة يملؤون الكنيسة حولي، يرتدون الجلباب المصنوع من الكتان ومعلقين الصلبان الخشبية علي صدورهم، ثم التفت إليّ واحدا منهم وأشار لي أن أذهب معه، فتح باب آخر، أمسك يدي ثم قال:

"إنهم في انتظاركم"

وكأني قد دخلت سوقا كبير ولكنه لم يكن كأي سوق، مليء بالبشر، يرتدون ملابس مزينة بالذهب والفضة ورائحتهم كالمسك، ثم سمعت صوت الآذان، فوجدت الناس يهرولون ويهللون من الفرحة العارمة

"هيا إلى الصلاة سوف يأمنا عمرُ"\

"انخفض صوت قلبي من الرعشة التي كان في عروقي، فسألت رجلا يجري بجانبي "من عمرُ؟"

فقال: "عمر الفاروق يا ابنتي"، فصُعقت وقلت: "كيف". فحاولت الخروج مسرعة إلى ضوء الشمس من ذلك الذقاق المليء بالبشر حتى أستطيع أن أتنفس الهواء

وجدته يقف أمامي ويبتسم " لقد كنت في انتظارك منذ وقت طويل"

شاب مظهره يدل على انه ليس من أهل تلك البلد، يرتدي ملابس كفراعنة مصر القديمة، لهجته في الحديث غريبة ومعه سيارة فارهة 

"هل تريدين رؤية مكتبتي؟"

فهززت راسي بالإيجاب.

شعرت حينها إني لم أكن أرى بعيني بل أشعر بقلبي (تلك المكتبة التي لم أرى مثلها قط، أرضها من ذهب والشمس تغرقها بآشعاتها ومكتوب فيها "جميع التاريخ محفوظ هنا".

 ما هذا أيها الغريب وأين نحن؟

وبكل وضوع قال: في ملكانا الضائع

استغربت من كلماته

ومن ثم رأيت معبد كبير على الناحية الأخرى من المكتبة مكتوب عليه هنا كانت ترقد المدينة التائهة.

المدينة التائهة !!!!!! أتذكر أنى رأيت شيء مماثل قبل ولكن أين !!!

لازالت كلمات هذا الرجل الغريب تتردد في عقلي "ملكنا الضائع" و "المدينة التائهة "

لكن أي ملك وأي مدينة

تذكرت الذقاق الذي كنت اجري فيه مع الناس قبل الخروج إلى هنا لقد كان منقوش عليه "هنا ترقد بقايا مدينتنا"

ظهر أمامي ذلك الأمير ثانيا الذي امسك بي في محطة القطار، 

 سوف أصطحبك في الرحلة وربما تكتبي عني يوما ما.

 بدأت اشعر بموسيقى تأتي من بعيد حتى أصبحت قوية في أذني، فأدركت أني لازلت جالسة بجانب الرجل العجوز وهو يغني.

 التفت بعد أن انتهى من عزفه 

أدركتِ الرحلة 

رأيتِ بعينيك من يتمنى الكثير رؤيته 

الباب والسر

اختفى الرجل العجوز بعوده، وأنا عدت إلى رشدي

ركبت القطار، وجلس شاب جميل الملامح بجانبي، عيناه بنيتان. فنظرت إليه ولم أصدق انه الأمير. ويحمل كتابا مكتوب عليه "جميع التاريخ محفوظ هن"، مرسوم على الغلاف أمير فرعوني بسيارة فارهة.  أغلقت عيني وتمنيت ألا أصحو من ذلك الحلم ابدأ.

 

*لكل من ترغب في مشاركة الخواطر أو المقالات برجاء التواصل معنا عبر بريد الكتروني: [email protected]

 

التعليقات