سحر عبد القوي تكتب: الياناصيب

 

سنة 1948 نشرت الروائية الأمريكية شيرلي جاكسون قصة قصيرة (مكونة من 8 صفحات) بعنوان اليانصيب في مجلة النيو يوركر...القصة دي كانت صادمة جدا جدا بالنسبة للمجتمع الأمريكي المحافظ وقتها... أحداث القصة بتدور في قرية من قري امريكا بدون ذكر إسم...وبتدور أحداثها حوالين أحد الطقوس اللي بيمارسها أهل القرية والقري المجاورة ألا وهو طقس اليانصيب...في اليانصيب العادي الانسان بيفوز بجايزة ما...لكن اليانصيب في القرية دي مختلف.

اللي بيحصل ان رأس كل عيلة في القرية بيختار ورقة من صندوق اليانصيب الأثري... ولما بينتهوا من المرحلة دي كل راس عيلة بيفتح الورقة بتاعته...واللي بيلاقي في ورقته علامة عبارة عن دايرة سودا بيكون هو اللي عليه العين...وبعدد افراد العيلة بيتم الاقتراع تاني عشان يشوفوا مين من العيلة اللي تم اختيارها بتقع في حظه الورقة اللي فيها الدايرة السودا....واللي بيكون معاه الورقة دي بيرجم حتي الموت.

يعني أهل القرية دي والقري المجاورة مقتنعين بضروة التضحية او قتل شخص منهم كل سنة وبنفهم من سياق القرية ان الطقس دة مرتبط بالحصاد والزراعة...وانهم لما يعملوا الطقس دة في يوليو المحصول هايكون وفير! وعلى الرغم ان بتدور محادثة عن ان في قري بطلت الطقس الوحشي دة الا ان اكبر راجل في القرية عمره 77 سنة اعتبر ان التخلي عن طقس اللوتاري دة نوع من حماقة الشباب اللى المفروض مانسمعلهمش ومانسمحلهمش انهم يغيروا العادات والتقاليد...وكان شايف ان الغاء الطقس دة مش هايجر علي القري دي الا المتاعب ...وان نتيجة دة ان هايحصل تدهور في المعيشة يرجعهم للحياة في الكهوف!.

اهل القرية كلهم خانعين ومذعنين...ومتواطئين بالصمت ...وماشيين بمبدأ طالما الاختيار مش هايقع عليا وانا بعيد عن الموضوع فخلاص مش مشكلة..."تيسي" نفسها اللي بيقع عليها الاختيار بتعترض في الآخر خالص رغم انها حضرت لمكان تأدية الطقس دة وهي مبتهجة وسعيدة...واعتراضها مكانش علي الطقس نفسه وانه مش صحيح بالمرة ...كان اعتراضها ان جوزها مخدش فرصته في التقليب ف الورق وكان همها ان يتعاد الاقتراع.

جاكسون في القصة القصيرة اللى تبدو معقدة ومعتمدة بشكل أساسي علي الرمز بتناقش موضوعات حساسة جدا في وقتها...زي ان الناس مش المفروض يمشوا ورا العادات والتقاليد بشكل أعمي وبدون تفكير...وزي ان من الممكن المشي ورا القطيع مايوصلكش للطريق الصح...وان مش كل حاجة يتفق عليها الناس وبيعملها كل الناس تبقي صح او انسانية او اخلاقية... القصة بتضرب على وتر الخرافة وان المفروض مانسمحش للخرافة انها توصلنا لممارسة الوحشية تجاه بعضنا البعض... جاكسون بتلمح في القصة ان المفروض الناس ترفض قرارات السلطة وتواجهها لو هاتؤدي قراراتها لاعمال وحشية...وبتلمح كمان لعدم كفاءة الديمقراطية نفسها في حكم الشعوب لان لو الشعب عبارة عن مجموعة من الهمج المسكونين بالخرافة والجهل وضيق الافق اختياراتهم هاتكون كارثية وصعب يتم الاعتماد علي رأيهم من الاساس لانهم هايمشوا في الطريق الغلط.

جاكسون في قصتها بتنتقد المجتمعات الصغيرة الضيقة ...القري اللي سكانها قليلين بتكون هادية وجميلة...لكن للاسف اهلها مش بيقبلوا المختلف عنهم...بيتجنبوه...بيعزلوه عنهم وممكن يضطروه لانه يسيب المكان من شدة المضايقات والاسوأ انهم ممكن يقتلوه بابشع الأساليب كمان...الكاتبة بتطلق صيحة تنبيه لمدى قدرة الانسان على الايذاء وممارسة اشكال الشرور ...!

التعليقات