أمل خليف تكتب: حين صار نور رجلًا

 

كان نور يبدو واثقًا تمامًا و هو يجلس أمام الطّبيب واضعا رجلا على رجل، مشمّرا عن حذاء أسود ملمّع فى عناية.

جسده الغض بدى شاحبا فى كسوة رجاليّة بلون بيج باهت. القميص مقفول إلى الرّقبة، ربطة العنق مربوطة فى عناية متوارية تحت سترة الصوف البنيّة الغامقة.

نظرته جادة، وجهه بلا تعابير، حتّى شعره الأسود بدا عابسًا فوق راسه.

-تفضّل يا دكتور، لننهى هذه المهزلة. لا وقت لدي لاضيعه بترّهات هذه السيّدة.

كانت تلك أول عبارة ينطق بها بصوت خشن أجش كانّما يتحدّث من قاع بئر عميقة.

السيّدة التى تجلس أمامه بدى عليها الارتباك من صوته واسترسلت فى الحكاية.

نور بلغ العاشرة، انتقل والداه إلى العمل بالعاصمة وانتقل معهما إلى مدرسة جديدة. بعد شهر واحد، قرّر نور ان يصبح كبيرا. هكذا دون مقدّمات أو اي حادثة تذكر، صار نور رجلا. و اختار أن يكون رجلا عجوزا و تقليديا.

بدأ الامر بحركات بسيطة، سرقة كرفتات والده، والمشي بتؤدة الكبار، و تخشين الصوت..

ثم بالجلوس رجلا على رجل فى المدرسة، وقراءة الجورنال وسط القسم.. و شتم المعلّمة.

حين استدعاه مدير المدرسة للتحقيق وضع رجلا على رجل وقال بنبرة واثقة:

- يمكننا أن نتحدث رجلا لرجل، لا فائدة من التعليم، ثمّ تلك المدرّسة يجب ألا تتجاوز حدودها. كان من الأفضل أن تهتم بزوجها و أولادها.. لا أعرف ماذا حدث حتّى تعمل النساء..

ردّة فعل المدير لم تزعزع ثقته.

التهديد لم يخفه، العقاب لم يثنه، سخرية الأطفال، بكاء أمّه الرّاجى لم يزده الا عزما.

قرر نور أن يصبح رجلا و قرر أن لا رجاء من الدراسة وأن عليه أن يبحث عن عمل.. وصار يتأفف إن الدنيا فسدت والعمل صار شحيحا وأن النساء هن السبب.

حين مازحته أمه إن كان ينوى الزواج، عقد حاجبيه وقال :

- أعوذ بالله أن أنجب اطفالا... ألا ترين حال الدنيا ؟؟

 

منذ أصبح نور كبيرا والمنزل صار حزينا. صارت أمه عصبية من كثرة الشكاوى التى تستقبلها من الجيران والأطفال وصار والده شديد القلق و الحرص.. لا حديث لهما سوى حالته الغريبة والشجار حول الأسباب التى دفعت به أن يكبر.

بكت أمه كثيرا قبل أن تقتنع وتأخذه إلى الطّبيب.

الزيارة لم تدم طويلا. نور كان متبرّما ومستعجلا.

الطبيب همس فى أذن أمّه؛ يحتاج تحفيزا ليلعب، يجب أن يلعب ويتواصل مع أطفال من عمره.

ذلك المساء اقترح عليه والده أن يزورا الملاهى معا ويصطحب صديقا يحبّه..

نظر إليه فى عينيه نظرة ثاقبة وقال بجديّة عاتبة:

-أنت حقّا لا تقدّر ما يحدث. لا تهتم لكل ما يجرى..

ثم أغلق الغرفة على نفسه.

 

مرّت سنة منذ أن قرر نور أن يكبر.

سنة كئيبة، بلا ضحك، أو عراك أو ضجّة.. حتّى شكاوى الجيران قلّت بعد أن انتشر بين الجميع أنّ الولد مختلّ وما من داع لأخذه على محمل الجد.

حتّى والداه انتهى بهما الأمر إلى التسليم والتعامل معه كما يحبّ ولم تتكرر بعد ذلك دعوة والده للّعب. توقّفت أمه عن البكاء ليلا وترقيته بالدعاء ضدّ الحسد.

اعتدلت الأيام وتساوت ونور كبير فى جسد غرّ شاحب.

و لم يعد يهتم لأمره أحد.

 

التعليقات