سارة مصطفى تكتب: لم نأذن لهم بالرحيل

 

" إهداء إلى تلك الأرواح الطيبة المغادرة "

ذات يوم استيقظت على صيحات أمي " مات ..مات" ، أتسائل مَنْ ؟ لأعلم بعدها بدقائق أن "عمى" رحل فى هدوء وسلام ، تماما كما اعتادنا على وجوده بيننا ، أن حلَّ يحل بسلام وإن رحل يرحل بسلام .

له ذكريات معنا يخيل لى أنه لم يترك أحدا دون أن يهتم بنسج الذكريات معه ؛ تقول زوجته متحدثة عنه وعن عائلته مَنْ لم تتزوج منهم لم تزل بكرا. أحتفظ بصورة التى لولا إصراره عليها ما كانت ، كل مَنْ يراها تلفت إنتباه ويسأل أهذه أنتِ؟ مرت أيام وبعدها لحق به أحد أحفاد عم آخر ، ومرت سنة أو أكثر ليرحل "عم" آخر لينزف نفس الجرح مرة أخرى .

حينما أكتب أتذكره وأترحم عليه فكان يعشق اللغة العربية وفي رثاء أخية الأصغر نسج بحزنه بيوت الشعر مرصعة بمفردات قوية. و اليوم استيقظت صباحا ، لأعلم بأن تلك المرأة التى أدعو لها بالشفاء قد غادرت دنيانا . لم أكن على صلة بهت فقط تعرف وجهى فكثيرا ما كانت تتلاقى الوجوه ويسلم كلانا على الآخر ، كانت بشوشة لها لها إبتسامة جميلة ، وكانت تعطي الأوامر وحريصة على تنفيذها ؛ كنت آراها تتعامل مع الصغير والكبير كلا مبتسم معاها ، كلا يحكي ، كلا بجوارها .

آخر مرة تلاقينا كانت أول مرة تجمعنا حدود صغيرة بالمكان ، تارة نضحك وتارة تضحك هي مع أصدقائها . أصدقائها التى كانت ترئسهم واليوم يبكونها ، يتحدثون عن أشياء كانت جميلة لأنها هي مَنْ تجمل القبيح . تشارك الآخرين أهتمامتهم ، و تشاركهم أهتمامتها ؛ تبث في كل شخص من روحها . تترك فى الأيام ذكريات ؛ وتُحلي المُر ، تهدأ منهم عند الصعاب . فيتذكرونها بالإخلاص فى الدعاء . يتذكروها فى دموع تنهمر دون إرادة معلنة عن وجع وكسر خاطر فى الرجوع ، معلنة مرارة إنتظار لم ولن يحلو بلقاء آخر .

بدموع وشفاه مرتعشة وجسد منتفض يشعر بأنها كالحلم ، مرت فكانت الأيام لحظات والسنون ثوانى ، وأضفى رحيلها مرارة على مرارة الأيام ويزيد من قبح الأماكن التى خلت منها ، فتثور الأماكن والذكريات مندده بالرحيل .

لم نأذن لهم أن يرحلوا ويتركونا فى انتظار اللقاء من جديد .

لم نأذن لهم الآيشاركونا لحظاتنا من جديد ، هم من يزيدون السعادة ويهونوا العسير .

يهون عليهم المولى الانتقال فى حياة ومكان جديد ، ويهون علينا المولى فراقهم الأكيد .

 

التعليقات