ريهام رأفت سليمان تكتب: المناسب لا يسقط من الذاكرة

 
 
 
نيسان هو شهرًا ربيعيًا، أعتبره أنا رمزًا خاصًا للصداقة والبهجة، لكنني مؤخرًا وعند آخر مرة تحدثت إلى ذاتي الأخرى التي تؤانسني، تذكرت أنني من هؤلاء الأشخاص الذين لا يملكون هذا النوع من التميز الحافل بالأصدقاء أو البهجة، وربما كنت من الذين يطلق عليهم وحيدين إلى أقصى حد، وهو أمرٌ بالطبع ليس سيئًا بالنسبة لي أو لمن أختاره بالتحديد،
 
بالمناسبة فلاسفة تيار الوجودية، أثناء القرون الماضية، كانوا قد تحدثوا عن ذلك الأمر، وهو إرادة الانفصال عن الآخر، وكيف يكون المرء سعيدًا وحرًا حين يكون وحيدًا بمحض إرادته.
 
أما عن السيء حقًا كان في مراجعة دفاتري السابقة، وأحداث جعلتها تمر بسرعة لا تليق بها، كانت كلها تلمع كنجمة في سماء رأسي، كلها تتعلق بأشخاص مروا عليّ أثناء رحلة العشرون عامًا وهي عمري كاملًا.
 
كان عليّ أن أفعل مثلما فعل ديكارت في سلة التفاح، أستثني كل التفاح الفاسد وأحتفظ فقط بالجيد، أي أقوم باستثناء الأحداث والأشخاص السيئين، وأحتفظ فقط بالجديرين حقًا أو المستحقين.
 
ولأن الأشياء الجيدة دائمًا نادرة، وقلما تتواجد، كانت كذلك الأحداث الجيدة، وكذلك الأشخاص مع تحفظي أن لا أطابق أو أقارب بين الأشياء والأشخاص، وهذا يرجع لتقدير مميز للأشخاص فهم على كل حال بشر، ولا يمكن قياسهم بأشياء.
 
ولما كانت حصيلة سلّتي الديكارتية قليلة ويمكن سردها بسهولة على أصابع يدي، كان الأمر يأخذ مجرى آخر، كان يسير في اتجاه القيمة الجوهرية، أو بمعنى آخر القيمة الجمالية.
 
تُرى كم مرة في حياتنا هذه سنقابل شخصًا جيدًا حقًا، كم مرة يُمكننا أن نقول إن شخصًا ما كان بالفعل مناسبًا! أعتقد أن إجابة هذا السؤال هي سبب من أسباب تمسكنا بهؤلاء القلائل في حياتنا،
 
وهي أيضًا سبب لاعترافنا بهم كأشخاص.
 
ولتكن مسلمة بيننا أن الشخص المناسب لا يسقط من الذاكرة، ولا يمكن أن يحدث له ذلك.
 
لذا على المرء أن يعترف بالأشخاص الجيدين، ويخبرهم بذلك، وعليه أيضًا الاعتراف لهم بأنهم جميلون، كجمال الروح الإلهي في الجسد، ليس لأنهم قلة وندرة، بل لأنهم يستحقون ذلك.
 
على المرء أن يسأل نفسه مرة واحدة على الأقل قبل أن يهمل واحدًا منهم، كم مرة في الحياة يمكن الالتقاء بشخص ليس فاسدًا، يحمل في قلبه نقاءً كي يترك ليذهب سدى..
 
علينا جميعًا أن نسعد بهم، ونخبرهم أننا نحبهم وأننا سعداء بوجودهم على الأقل في هذه الحياة إذا لم يكن لهم معنا إقامة أو كانوا من هؤلاء العابرين، فلتكن لهم لحظة امتنان صادقة، قبل أن ينتهي الوقت المتاح لنا نحن البشر من هذا الوجود المعقد.
 
 
 
 
التعليقات