عزة سلطان تكتب: حبيب لا يلتقط إشارات الورد

 
مرتبكةً أُمرر الوقت دون نتيجة. الكتابة لا تطاوعني. أبدو كطفل يتعلم النطق وحوله عدة لغات؛ فيقف مرتبكًا، هل يقول: "صباح الخير" أم "bonjour"؟
 
الحروف لا تطاوعني، لكن الورد يُبهجني، يُغير من حالتي، ويجعلني أكتشف أبعادًا أخرى للحياة. لي صديق ليس سهلًا، ربما وصف خبيث يليق بالأعداء لسمعته السيئة، لكن -أحيانا -بعضًا من اللؤم أو الخبث يكون محببًا.
 
صديقي كلما قاطعني لفترة طويلة وألقى بي في وجع البعد، أتاني حاملًا الزهور. في كل مرة كنت أندهش من قدرته على اختيار باقات مدهشة، تمحو كل غضب تجاه اختفائه. أسقط في بئر المحبة، وأجدل من الزهور طريقًا للصعود، فإذا صعدت كان براح السما. نعم، أحب أن أقولها السما محذوفة منها الهمزة، فحروف المد أليق بالبراح. وصديقي الخبيث الجميل، يُلقي بي نحو السماء كطفلة يدللها أبوها؛ فأعود له ضاحكة، بعد أن يغادر يظل الورد معي لفترة طويلة، وأتساءل: "ماذا لو كان صديقي في موقع الحبيب؟".
 
سعيتُ لممارسة خبث مشابه، وأخذتُ أحكي لرجلي عن صديقي الذي يمد روحي بحياة الورد، لم يلتقط الإشارة وذكرني بقصر حياة الزهور.
 
سيتجاهل عمدًا كل حكاياتي عن محبة الورد، عن علاقة سرمدية بالأيرس، ومحبة للجلاديوس الذي يستمر أيامًا طويلة في الفازة، أملأ أواني الزهور بالجلاديوس والزنبق، أملًا في رائحة تُبهج البيت لفترة طويلة، أُمارس وجاهتي الاجتماعية فقط في اقتناء الزهور، وأحلم بثراء يُمكنني من تغيير الورد كل بضعة أيام قبل أن يجف أمامي.
 
أسميت بطلة قصصي للصغار باسم "زهرة"، وأَمّلِي أن يذيع صيتها، لكني أنا نفسي لم يذع صيتي، فما بالنا ببطلة قصة للأطفال، ونحن لا نقرأ.
 
كان يومًا في العام، تجمع خالتي كثيرًا من الزهور من حديقة المستشفى التي تعمل بها، وفي المساء تأتي معها ورودٌ بألوان عديدة، لا أعرف أسماءها، كلها بالنسبة لنا نحن الصغار "ورد". نجلس في حلقة حول جدتنا ونصنع باقات صغيرة، تنادي جدتنا وتحثنا على العجلة. غدًا "شم النسيم". ليس لنا امتداد اخضر، لكننا نصنعه في صالة بيت الجدة. أُحب أن أجمع في باقتي كل أنواع الورد التي قدمت بها خالتي، أما النعناع فهو مصدر الانتعاش والرائحة المميزة التي سنحرص عليها جميعا.
 
ننام وبجوار كل منا باقة من الزهور، وحين نصحو مبكرين تكون جدتنا قد سلقت البيض. نبدأ في تلوين البيض، ونقلد الفنانين الكبار. كل منا يضع باقة زهوره ويتخذ من ألوانه مصدرًا لوحيه. يستعيد والدي أمجاده كرسام قديم فقد طريقه، ويرسم وجوهًا باسمة، أما أنا فأرسم زهورًا. كانت لحظات قاسية تلك التي أضطر فيها لأكل البيضة ونزع القشرة. كنت أحتضن باقة الورد، وآكل البيضة، ونجلس لنسمع جدتنا تحكي حكاية بها حدائق كثيرة وننام بجوارها لنتنزه في حدائق تبعد عنا كثيرًا.
 
نحن أبناء الفقر، عرفنا الورد في شم النسيم وحكايات عن حدائق وأحبة، كونا طفولتنا باللون الأخضر. ننتظر شم النسيم كي نهرب من حوائط البيت، وجدتي تُشبع أرواحنا بالحكايات، وخالتي تحمل في كل عام باقات الزهور، وتعد لنا أمي السمك المملح، كانت تصنعه في البيت. التوقيت عندنا قبل شم النسيم وبعده. كنت أتمنى أن ننتمي للفلاحين، فتكون لنا أرض نزرعها ونمارس شم النسيم كل صباح، لكننا حُبسنا في شق الوظيفة، فجاءت أحلام اليقظة تروي المحبة.
 
أحكي له عن خالتي، باقات الزهور وحكايات جدتي، فيتحدث معي عن أخطار أحلام اليقظة، ويحذرني أن تسرقني وأنا أقود. في المحال زهور صناعية، تحسنت جودة الصناعة، فلا يلتفت إلى كذبها، وأنبهه فيبتسم.
 
جاء شم النسيم ولم يحمل لي وردة، فهو لا يحب الوقوف في طوابير المشترين؛ فاستأجر عامله ليبتاع لنا السمك المملح. رسمت زهورًا تكفيني طيلة العام، وحدثته عن موت جدتي، وخالتي، وعن خلو عقلي من الحكايات؛ فعاود الابتسام وذكرني بشم النسيم، وأهداني علبة ألوان لأستمر برسم الزهور.
 
 
*لكل من ترغب في مشاركة الخواطر أو المقالات برجاء التواصل معنا عبر بريد الكتروني: [email protected]
 
التعليقات