نسوية| هويدا طه تكتب: مناضلة أم فيمنيست..عن "مناضلات" تأثرت بهن!

 

** كنت في عامي الجامعي الأول، حين قرأت أول كتاب للدكتورة نوال السعداوي.. كان الكتاب عنوانه "الحقيقة العارية"، لم أكن أعرف من تكون نوال السعداوي، وكانت قراءاتي قبيل أن يهز حياتي "بركان الجامعة" لا تتعدى روايات الجيب وإجاثا كريستي وعدداً من مجلات ذلك الزمان،

** كانت سناء المصري مناضلة يسارية تنتمي حركياً لحزب العمال الشيوعي، السري، لا تندهشوا من هذه المصطلحات: حزب، عمال، شيوعية، مناضلة، يسار.. كان ذلك أوائل الثمانينات! وقتها انتميت لكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية بعد مسيرة الفخر والتباهي في مكتب التنسيق.. حيث كنت من أوائل منطقتي التعليمية في الثانوية العامة شعبة رياضة / رياضيات،

سناء التي مرت سريعاً في حياتي.. واختطفها السرطان سريعاً أيضاً في بداية غزوه المخيف لمصر.. كانت مناضلة تصدق بالفعل مقولات النضال! فيما بعد تركت سناء كتباً قوية قامت بكتابتها قبيل رحيلها المبكر منها كتاب "الحجاب".. كانت كتباً تتنبأ بما سوف تؤول إليه مصر..

كانت تطبق على نفسها ما تقوله وتؤمن به، فرغم انتمائها وقتها لشريحة مرتاحة نسبياً من الطبقة الوسطى إلا أنها كانت تعيش بملء إرادتها حياة متقشفة وتناضل لأجل تثوير العمال، لم تكن الوهابية اللعينة قد انتصرت على المصريين نهائياً بعدْ.. كانت بوادر انتصارها الملعون على مصر تبدو في الأفق.. كمثل سحائب دخانٍ أسود تتجمع في كبد السماء.. منبئةً أن الاختناقَ قادمٌ لا ريب..

** تلقفتني سناء وقتها.. كنت طالبة في الثامنة عشر من عمرها قادمة من حي فقير وأبوها صعيدي وتبدو فتاة غشيمة تماماً.. لكن يبدو أنها لمحت عندي شيئاً ما.. كانت في زيارة لأصدقائها في كلية الهندسة، تحدثت معي بعد التعارف وقالت وهي تركز نظرتها على قلب عيني مباشرة – فعرضتني بتلك النظرة لرجفةٍ شديدة -: اقرأي تاريخ وفلسفة وعلم اجتماع..

قالتها ورحلت.. بعد أن تركت لي خريطة حياة..

** لسببٍ ما كنت أحب الكتابة.. ولذات السبب ربما كان دائماً ولا يزال لدي ذلك اليقين النرجسي اللعين.. بأنني خلقت كي أكون كاتبة! إلا أن رحلة الحياة مضت في طريقٍ وعرة.. فكانت الأقلام تتكسر كلما سننتها.. أو هكذا أبرر.. لكن ها أنا ذا أسن قلماً جديداً لأكتب عن ذلك الشيء المسمى "الحركة النسوية"، إنما من وجهة نظر (امرأة تأثرت حياتها بمناضلات قابلتهن) وليس من وجهة نظر ناشطة نسوية.. أساساً لم أكن ناشطة نسوية ذات يوم! لكنني أكتب الآن قبل أن يتقصف ذلك السن في طريقي المحفوف بخطر اللامبالاة والإنشغال بالتوافه.. بالفعل، التوافه مهمة لي الآن..

** بسبب نصيحة سناء المصري رحت أبحث بقروشي القليلة عن كتب اقرأها.. دون معرفة محددة بما أبحث عنه.. كنت أبحث بجنون أقرأ بجنون وأدور بجنون في المكتبات العامة ومراكز الثقافة في الإسكندرية.. كانت مراكز الثقافة لا تزال فيها بعدْ بواقي حياة.. قبل أن تتحول إلى كافيهات!

ذات يوم وكنت في مركز ثقافي في شارع متفرع من شارع النبي دانيال رحت أقرأ كتاباً لديستوفسكي.. لم أكن أعرفه أو سمعت عنه.. لكن جاء الكتاب إلى يدي الممتدة بلا هدف نحو الرف، لازلت - وأظنني سأظل - أذكر شكل الصفحة البيضاء تماماً في أول الكتاب إلا من جملة واحدة في منتصفها، بقيت في موقعٍ آمنٍ جداً في الذاكرة.. لا تطالها مطارق النسيان مهما حاولت:

"الإفراط في الوعي علة"!

التوقيع ديستوفسكي

** تحت تأثير دفعة سناء المدوية لي بنظرتها الخارقة لعقل فتاة غشيمة.. كان لدي مبلغ محترم كان من المفترض أن أشتري به حذاءً وشنطة وفستاناً.. كان أربعين جنيهاً عام 1983! وكان هناك إعلان عن تصفية مخازن الهيئة المصرية العامة للكتاب ومنشأة دار المعارف في محطة الرمل.. وفي تلك التصفية المهيبة كانت تباع كتب طبعت في الخمسينات والستينات والسبعينات بسعرها المدون عليها أي بقرش ونصف قرش... كانت الأربعين جنيهاً إذن ثروة رهيبة..

يا إلهي.. كم هو ذو شجنٍ تأثير وقع تلك الأسماء على نفسي: الهيئة المصرية العامة للكتاب، منشأة المعارف، دار المعارف..

كانت أيام

لكن على آية حال.. ضمن الثروة التي خرجت بها من تصفيات الهيئة المصرية العامة للكتاب كانت بعض كتب نوال السعداوي: الحقيقة العارية، وعلى ما أذكر كانت كذلك كتب: يوم كان الرب أنثى، المرأة والجنس، الرجل والجنس، وغيرهم.. غيرهم كثير بالطبع لمفكرين وفلاسفة وأدباء عرب وأجانب.. وسلسلة سليم حسن وكتب في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس وتاريخ الأمم والحضارة وروايات عربية ومترجمة ومع كل ذلك قاموسين عربي إنجليزي والعكس.. تماما كما حفرت رصاصة سناء في رأسي: فلسفة وتاريخ وعلم اجتماع، مضافاً إليهم بالطبع الأدب والشعر

وبدأت رحلة التماس مع ثروتي التي حملتها في صناديق إلى التاكسي من الهيئة العامة للكتاب.. كانت البداية بقراءة الحقيقة العارية..ومنها عرفت أني ذلك الذي يسمونه هنا في هذا العالم: الأنثى،

لم أكن أعرف!

** بدأت أبحث بفضول شديد - ضمن بحثي عن أشياء كثيرة - عن "قضية المرأة" كمعنى وطريق وأهداف وجماعات، وموقعي منها، قرأت عن نضال المرأة المصرية، الأوروبية، السودانية، الفيتنامية، الأمريكية، قرأت روايات صينية عن كيف تُعامل المرأة في الحضارة الصينية، قرأت عن نظرة فلاسفة اليونان للمرأة وكيف كانت في الحضارة المصرية القديمة، قرأت عن آلهات الأزمنة الغابرة، يا إلهي.. الأرباب كانوا بالفعل إناثاً! لقد جرت خيانة عظمى للإنسانية في هذا العالم والله! قرأت عن عذابات المرأة في أممٍ كثيرة.. المرأة في الإسلام، الإسلام المحمدي والأموي والعباسي والمملوكي والأسيوي والوهابي والمصري.. الإسلام متعدد الألوان.. لكن القاسم المشترك بين كل ألوانه هو على كل حال: معاناة الأنثى من حيث كونها أنثى.. في تلك الأوقات كان هناك نفق الوهابية المظلم يتعمق في روح المصريين.. ولن يطول الأمر قبل أن يعلن انتصاره المدوي على روح مصر قبل أن أنهي دراستي الجامعية عام تسعين..

** كانت نوال السعداوي هي البداية لكنها لم تكن الوحيدة.. أو قل لم تعد الوحيدة.. كشابة صغيرة جداً كنت أبحث عن المناضلات الكبيرات لأحتمي بهن.. كان بداخلي غضبٌ عارم.. كنت غاضبة.. كيف لا أغضب وأنا أنثى، أنثى مصرية، أنثى مصرية مسلمة، أنثى مصرية مسلمة أبوها صعيدي، متوسطة الحال، لديها أخوة ذكور وهذا وحده عذاب متفرد في مثل هكذا بيئة، مقيدة الحركة، كل الأجواء المحيطة ضاغطة، وكل صفة من تلك الصفات تثقل كاهلي الغض بعبء ثقيل خبيث مؤلم موجع.. كيف لا تتألم الأنثى بنت الصعيدي مثلاً؟ هذا عذابٌ رهيب لو تعلمون! وفوق كل ذلك كانت الوهابية في ذروة إغارتها الهمجية على مدائن مصر.. هذا حصار إن لم يثر الغضب بداخل فتاة تقرأ بجنون فلابد من الشك في سلامة روحها..

** مناضلات ذلك الزمن كُنَّ كلهن يساريات، أو معظمهن، بالطبع.. وحده اليسار كفكر هو ما يقدم عروضاً للحرية ذات بريقٍ خاص.. وحده اليسار كفكر هو ما يبلغ العالمين رسالة أن الأنثى إنسانٌ كامل الأوصاف.. وحده اليسار من يُذَّكر البشرية أن الإنسان حين اخترع الآلهة اخترعها إناثاً قويات!

كان حزب التجمع التقدمي الوحدوي.. وهو اسم ثقيل لزج سمج.. يمثل اليسار الرسمي المشروع، أما حزب العمال الشيوعي فبالطبع كان حزباً سرياً.. الله يرحمه! ويرحم الشيوعية! ويرحم اليسار ذاته رحمة واسعة! وكانت سناء المصري تسخر من حزب التجمع فتطلق عليه اسم: التأمع!

لكن في حزب التجمع مع ذلك وجدت المناضلات.. كُنَّ بالنسبة لي وقتها قديسات النضال النسوي.. هكذا نحب في شبابنا أن نرى الأشياء في حوافها القصوى: مناضلة، قديسة، عظيمة، تضحية، مقاومة.. إلى آخر حواف الأحلام القصوى..

لم يكن وقتها يوجد مصطلح (ناشطة) بصفة عامة وبالتالي لم يكن هناك ما يسمى (ناشطة نسوية).. كن مناضلات، وكفى، كنت أحب فتحية العسال، لم تتعلم ولم يكن لديها مؤهل جامعي ولا حتى ابتدائية لكنها كتبت روايات ومسرحيات ومسلسلات إذاعية تنقل صورة حية تنبض بأوجاع نساء مصر المقهورات

وكانت كتابات أمينة شفيق عن الفلاحين عامل إثارة معرفية رهيب بالنسبة لي.. كانت أول من قرأت له تفسيراً لما أسمته هي في كتابها" لؤم الفلاحين! كآلية دفاع ذاتي ضد كل هذا الظلم الوحشي الذي كان - وأظن لا يزال - يتلقاه الفلاح المصري.. رجلاً كان أو امرأة.. بتأثير وصف "لؤم الفلاحين" في كتاب أمينة شفيق عن الريف المصري تذكرت عمتي، حين كانت تأتي لزيارتنا في الإسكندرية محملة من بني سويف بربطة خبز البتاو والجبنة القديمة والمش! ونظراتها اللئيمة من خلف طرحة سوداء شفافة لا تداري الضفيرتين!

** كانت مصطلحات مثل: القهر، استقلال المرأة، النضال، قضية المرأة، المرأة المثقفة، حقوق المرأة، الوعي وغيرهم، هي المصطلحات السائدة.. لم يكن هناك: نشطاء ولا ناشطات ولا نسويات ولا الجندر ولا يحزنون!

كانت عزة بلبع تغني للعامل وتغني إصحي يامصر في تجمعات الطلبة فيتسلل إلى ظني أنني يجب أن استعد الليلة فالثورة على الظلم بعد كل هذا الحماس.. ستكون صباح الغد!

عزة بلبع كانت مطربة أصيلة وربطت اسمها بالنضال.. لا أعرف ماذا فعلت أمام طوفان "النشاط الحقوقي" الذي كانت تتجمع نذره في الأفق البعيد!

** دكتورة شهيدة الباز وكانت يسارية مناضلة حقيقية تزوجت في الستينيات في ألمانيا أفريقياً أسمر، كم كانت جريئة قوية، كانت من أوائل من انتبهن إلى أن هناك (شيئاً غير مريح) ينمو في مصر وتتصاعد رائحته وقد يحمل اسم المجتمع المدني!

فيما بعد قابلتها مؤخراً جداً منذ سنوات قلائل وأنا مخرجة أفلام وثائقية.. وكانت قد نشرت كتاباً عن منظمات المجتمع المدني.. وكانت لازالت صامدة.. تقدمت في السن لكنها ظلت مناضلة في زمن الناشطات النسويات..

كان الشعر والموسيقى والغناء والخُطب والكتابة في الصحف وعلى الجدران وتأليف الكتب وتنظيم الندوات والمحاضرات والدوريات والمنشورات والرحلات هي وسائل المناضلات والمناضلين من أجل التعريف بحقوق المرأة.. في مواجهة ظلم طبقي وظلم سياسي وقهر حكومي وتوحش ديني وثقافة ذكورية لعينة وجهل وضعف إرادة وغباوة مجتمع نهري مستكين.. كانت القضية كبيرة وليس أقل من "النضال" كي تواجه فيها الخصوم..

لكن النضال لم يعد نضالاً وصار اسمه في أوائل القرن الجديد: "نشاط حقوقي"!

** بل كان النصح من معلمة واعية لتلميذة تحبها هو وجه مشرق للنضال.. أمام بوابة مدرستي الإعدادية كان يقف بائع حُليّ بعربة صغيرة.. يعرف أنه سيبيع لتلميذات في سن المراهقة يكتشفن في تلك السن معنى الإغراء فيشترين سلاسل وأساور وخواتم.. فالصو لكن لها بريق، ومثل كل المراهقات اشتريت من مصروفي سلسلة كبيرة وارتديتها، وكانت تدرسنا الرياضيات - وهي مادة تفوقي وعشقي- معلمة شديد الأناقة لم تتحجب في طوفان الحجاب اللعين في السبعينات، كانت أبلة زينب تشجعني وتحبني وتعطيني في الامتحان السريع دائرة فيها رقم 1 لأنني أول من قدمت حل المسألة وتكتب بجوارها باللون الأحمر بخطها الجميل: ممتازة، هذه كانت أجمل الأشياء من أجمل المعلمات في أجمل المواد، ذلك اليوم بدأت حصة الهندسة وكانت تمر بين الصفوف فوجدتني وقد فتحت زر قميصي الأبيض تحت الجاكيت الجبردين الرمادي لإظهار سلسلتي الكبيرة الفالصو، اقتربت مني المعلمة الأكثر أناقة في مدرستي وأشارت إلى السلسلة ثم نظرت نحو عيني مباشرة وقالت لي: شيلي دي إنتي من غيرها أحلى ياهويدا، ثم مضت بين الصفوف.. كيف أكون الآن قد تخطيت الخمسين من عمري ولا زلت أذكر عينيها وإشارة يدها وأحس أنفاسها وأسمع جملتها وأسمع دقات قلبي المتسارعة فرحاً بأن المعلمة التي أحبها حباً جماً اختصتني بالاهتمام، بتلك النصيحة من معلمتي بنيت فيما بعد تصوراً كاملاً عن جمال الأنثى.. معلمة الرياضة/الرياضيات كانت مناضلة بدون لقب.. وبدون تمويلات لأنشطتها النضالية!

قبلها بسنوات كانت معلمتي في الابتدائية – وللصدفة اسمها أيضا زينب – كانت تدرسنا تاريخ وجغرافيا وكانت مناضلة يسارية من خلال حزب، كان ذلك زمن النضال السياسي، كنت في الصف الخامس أو السادس الابتدائي تقريباً عام خمسة وسبعين، انتهت حرب أكتوبر منذ قليل وبدأ انتشار وباء الحجاب، زميلاتي وضعن على رؤوسهن تلك الخرق البيضاء وفعلت أنا مثلهن بتأثير الانصياع ولو مؤقتاً للمجموع، رأتني أبلة زينب في الطابور فقالت بغضب وهي تشد خرقتي البيضاء: شيلي ده من على راسك إنتي شعرك مش عيبة! كانت تناضل ضد تيار هزمها وهزم مصر كلها.. لكنني وحدي دون زميلاتي كان شعري بعدها بسنتين مربوطاً كذيل حصان.. في شارع أصيبت كل إناثه قاطبة بذاك الوباء..

كيف في زمن "النشاط الحقوقي" تجاهلنا (نضال المعلمات)؟! بل كيف صارت معلمات مصر الآن يستحققن هن أنفسهن النضال لمساعدتهن كي يعدن آدميات.. هذا شيءٌ حزين للغاية..

 

** كانت المناضلات من أجل حقوق المرأة يتوزعن في الطبقات.. قبيل ثورة 1919 وبعدها كانت نساء الطبقة العليا يسعين لتحرير نساء الطبقة الوسطى على طريقتهن.. من الغباء وضيق الأفق لومهن باستعلاء يساري أو ثوري غبي.. فقبل أن نلوم هدى شعراوي أو نبوية موسى أو روزا اليوسف أو غيرهن بدعوى أنهن كن هوانم ولسن ثوريات.. يجب أن نتخلص من الفكرة اليسارية الحمقاء التي تقول إن النساء المناضلات هن فقط العاملات الفقيرات! فالنساء في كل المستويات يجب أن يتحررن، لكن ذلك الانحراف اليساري الذي كان ينبذ أي نضال نسوي لمجرد أنه "نضال هوانم" هو انحراف يحرم المجتمع ككل من تراكم فوائد عامة.. عموماً كان "نضال الهوانم" رغم أنف اليسار مؤثراً جداً في الحركة المتنامية في مصر منذ بدايات القرن العشرين لأجل (تنبيه المرأة المصرية لذاتها الإنسانية أولاً قبل ذاتها النسوية).. كانت الأميرة فاطمة اسماعيل تستحق في رأيي – الآن - لقب (أروع النساء).. في رأيي.. فلها فضل حقيقي وجذري على مصر، عام 1908 تبرعت بأرضها ومجوهراتها لإنشاء جامعة لتعليم المصريين فكانت جامعة القاهرة.. أم الجامعات! كانت أميرة في أسرة مالكة لا يهمها الشعب الفقير الجائع.. وكانت فرشة أسنانها من الذهب والماس.. لكنها قدمت لهذا الشعب الجائع "طوق نجاة" من خلال: نضال الهوانم!

في شبابي المبكر جداً كنت أظن أن المناضلة لا تكون حقيقية إلا إذا كانت فقيرة وسجنتها "الحكومة"! وضد كل الأغنياء وعنيفة مع الأنيقات وصديقة العاملات والفقيرات والفلاحات و..

حقيقةً.. يجب ألا تستمعوا إلى كلام صغار الثوريين والله! فالحياة حتى تعلمنا بحق تأخذ منا الوقت فلا نكون جاهزين للفهم إلا بعد تسرب السنين من بين أيادينا!

الآن وفي مرحلة الانشغال بتوافه الأشياء أعتقد أن الإنسان في كل طبقاته يمكن أن يقدم شيئاً واعتقد أن فكرة تغذية (الحقد الطبقي) في الفكر اليساري هي فكرة وضيعة للغاية.. وأن أهم شيء قدمه اليسار كفكر هو مفهوم: النضال،

** عودة للنضال من أجل حقوق المرأة.. يسمونه الآن النشاط الحقوقي النسوي.. أو الحركة النسوية.. وأظنك عرفت من أعلى المقال أنني قد لا أرتاح لهذا المسمى: ناشطة نسوية، لعل هناك سببين:

أولهما أن قضية حقوق المرأة في ظني تحتاج إلى "نضال" وليس إلى "نشاط" أو استنشاط حقوقي، النضال بكل ما يحويه من إصرار وتواصل واستمرار وعدم يأس وتفانٍ وتراكم للمكتسبات وتحمل للمشقة ودفع ثمن ما وخوض معارك..

وثانيهما هو ذلك الذي عشته بنفسي حين كنت أرى المناضلات (لا ينتفعن مالياً) من النضال بل كن ينفقن القليل أو الكثير الذي يملكن.. وكذلك المناضلين الرجال بالطبع، طوال عمري لم أقابل (مناضلة) أثرت أو اشترت شقة وسيارة من جراء النضال! في حين في عصر (النشاط النسوي) قابلت أشياء قد تشعرك بالأسى حين تعاين كم تغيرت أحوالهن المالية من (عوائد) النشاط النسوي!.. بل كانت بحزب التجمع عضوة بارزة جدا وكانت في البدء (مناضلة).. ثم وفي عمرها المتقدم حين ظهرت في الأفق سفن التمويلات عبر البحار والمحيطات والسموات تقدمت لاغتراف نصيبها.. وفي حلقة تليفزيونية سُئلت عن سبب قبولها تمويل غربي لنشاطها (نشاطها وليس نضالها) رغم كونها من الثائرين على "الاستعمار الإمبريالي"، فقالت: عادي، همه سرقوا شعوبنا أيام احتلالهم لينا والتمويلات دي تعتبر استرداد لحقوقنا التاريخية!

بالطبع استردت "هي" وحدها من الغرب ما سرقه من كل شعبها!

لكن حتى لا يكون التعميم ضاراً فما زال في مصر مناضلات.. حتى في عصر الناشطات النسويات!

إنما رغم الموقف السلبي الذي قد تستشعره في المذكور أعلاه.. من الحركة النسوية الحديثة.. إلا أنني بالفعل أقر بأن (النشاط الحقوقي النسوي) أثمر أيضاً أشياءً إيجابية تراكمت.. رغم كونها أنشطة ممولة وليست حزبية.. ليست سياسية.. ليست فكرية أو ثقافية، فهناك منظمات نسوية في ذلك المجتمع المدني – وهو مصطلح لا يريحني – قدمت جهداً بحثياً أو حركياً أو جماهيرياً لا بأس به، وما كان ليحدث لولا وجود ما يلزمه من نفقات كثيرة.. لكنه رغم ذلك سيظل (نشاطاً ممولاً) وليس (نضالاً)..

وما بين النضال لأجل استقلال المرأة المصرية والنشاط النسوي للتغلب على التمييز ضد "الجندر".. لم تزل قضية المرأة ذاتها مطروحة.. من خلال أسئلة: ماذا نريد للمرأة وكيف ومتى وأين.. بل.. هل هناك شيء أصلاً يجوز تسميته: "تحرير المرأة"؟! هل يمكن أن تتحرر المرأة وحدها دون تحرر الرجل؟! هل يمكن إعادة صياغة القضية على اعتبار أنها: تحرير الإنسان بغض النظر عن نوعه؟! وأيضاً هل يمكن طرح السؤال: من أو ما هو خصم المرأة في قضية تحررها؟! هل هو الرجل؟ هل هو الحكومة؟ هل هو الدين؟ الأعراف والتقاليد؟ القانون؟ الجهل؟ الغباء؟ هل هي نفسها عدو نفسها؟

بل.. هل يمكن أن نناضل لأجل عودة النضال؟!

بالنسبة لي.. كنت محظوظة بما يكفي أن قابلت في صدر شبابي من "ناضلن" لتحرير عقلي أولاً.. بالنسبة لي وحدهن المناضلات من يستحققن الكتابة عنهن بامتنان

وبالنسبة إلى الحركة النسوية المصرية الآن.. ففي ظني أنها قد تثمر شيئاً ذا قيمة لمصر وشعبها إناثاً وذكوراً إذا استطاعت الانحياز إلى النضال لا النشاط

من أنتِ؟ تلك هي المسألة، المسألة المصرية! هل أنتِ مناضلة أم.. فيمنست؟!

التعليقات