رباب كمال تكتب: لكن بعضنا يتطلع إلى النجوم

 

 لابد أن أعترف أنني وقعت في غرامه دون أن أدري، تسلل حبه إليّ في غفوة مني واستفقت على نبضة قلب وكأنها صفعة على الوجه رجتني بقوة. لم أكن أحسب أنني قادرة على الحب من جديد، لم أكن أدرى أن قلبي سيخفق هكذا، أو أنني سأشعر بنبضي في أناملي كلما تذكرت شيئا قاله، بدأت أضعف أمام كلماته وأستغرق فيها، ثم أطوي الصفحات لأعود وأحدق في صورته وفي عينيه وأتساءل دون أن يسمعني أو حتى  يشعر بي " من أنت... سبحان  القدير الذي  صنعك"؟

لقد أسرني  بعقله وكلماته وبخفة ظله التي يتحدى بها  العالم، العالم  الذي يراه عاريًا.

 لسبب ما كان دومًا  يُسَّري عني، أصبح طيفه يلازمني، وأصبح هو من يخفف عني أوقاتي العصيبة بحكمته الساخرة .

أنا امرأة حرة عقلا وجسدًا .. لذا تملكتني الشجاعة ودعوته ذات ليلة إلى فراشي ولبى ندائي وما انقطعت لنا عادة منذ ذلك الحين، ولو أنه الحاضر الغائب، الحاضر روحًا وفكرًا وعقلا  والغائب جسدًا.

فممارسة الحب لا تحتاج إلى  جسد المحبوب في بعض الأحيان، فالروح تعانق بشغف أكثر ولعًا من تنهدات الجسد.   

لربما يظن البعض أنني أتحدث عن علاقة رومانسية تقليدية ولكن حقيقة الأمر... أنا  أتحدث عن علاقة قارئة  بكاتب مسرحي، أتحدث بكل شوق عن الأيرلندي جنسية ً والعالمي فكرًا "أوسكار وايلد" ( 1854-1900 ) والذي كانت كتاباته ملازمة لي في فراشي قبل ساعة نومي فأغفو وهي بين يديّ، لا أتذكر سبب ولعي به في المقام الأول، لكن كانت هناك فترة ما في حياتي لا أقرأ فيها شيئا عدا مسرحيات وايلد قبل أن أخلد إلى النوم، هكذا تسلل هذا الرجل الجامح  إلى فراشي..وكأن جموح أفكاره و شجاعتها اسم على مسمي ( ( Wild

 

تسائلت هل يمكن أن يأسر بعض الـُكتاب عقولنا؟ هل من الممكن أن تأسرنا عباراتهم ونتوقف عندها لننهل من فلسفة الحياة.. لربما !

لكن الغريب أن أوسكار وايلد لا يأسر العقول ليوجهها وإنما يأسرها ليحررها و يحرضها على التفكير في الحياة ومعطياتها و يفعل ذلك ساخرا ماكرًا، فكانت سخريته سببًا في أن نضحك أولا  ثم نعبس بعدما يصلنا المراد من كلماته اللاذعة، هكذا وقعت في غرام عقل رجل ولدتُ أنا بعد رحيله بثمانية عقود من الزمان، رجلا مات فقيرًا عن عمر يناهز الـ 46 من عمره

شهرته الواسعة تحطمت على صخرة  سجنه في تهمة أطلق عليها الرأي العام تهمة فجور وبذاءة  ! قضى السجن على خياله الخصب ورحل من لندن إلى فرنسا وعاش تحت اسم مستعار في فندق رخيص حتى وافته المنية بعد إطلاق سراحه من السجن بثلاثة أعوام .

أوسكار وايلد غني عن التعريف، والمعلومات عنه متوفرة  بفضل محرك البحث جوجل الذي إن دعوناه استجاب لنا، فلن أضيف الجديد إن سردت معلومات بديهيه عنه كونه  عمل محررًا في مجلة Lady’s world  ( عالم سيدة )  حتى عام 1888، ولن أضيف جديد  إن سردت أهم أعماله الروائية و المسرحية مثل رواية صورة دوريان جراي (1890)، مسرحية امرأة بلا أهمية ومسرحية سالومي  (1893) ومسرحية كوميدية بعنوان أهمية أن تكون جادا (1894).

ولن أضيف جديد إن تحدثت عن حسه الساخر المسرحي ولا عن رفضه  الربط بين العمل الأدبي و الأخلاق، فقال ذات مرة " ليس هناك أدب أخلاقي وأدب غير أخلاقي، المعيار الحقيقي هو الجودة"، بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معه إلا أن هذه كانت رؤيته التي لم يخجل أو ينزوي منها ولم يسع أبدًا أن يباركه المجتمع أخلاقيًا

لكن أكثر ما لفت انتباهي في أوسكار وايلد – عدا جودة الكتابة والسرد والخيال الخصب" أنه استطاع دائما وسط اندماجه في الحبكة الدرامية أن يصيغ عبارات على ألسنة أبطال أعماله تحولت لأقوال مأثورة خارج سياقها الزماني والمكاني، فأصبحت العبارات التي أطلقها شخصيات مسرحياته بمثابة أقوال صالحة لكل زمان ومكان،  كونها أسست لفلسفة حياة في معناها الأشمل، قد نتفق مع بعضها أو نختلف ولكنها تظل تفتح لنا بابًا من النقاش والتفكير أو التساؤل، فبعض أقواله كانت أساسا لدراسات أدبية عديدة.

فمثلا قال في رواية (صورة دوريان جراي): إرهاب المجتمع هو أساس الأخلاق، والإرهاب باسم الخالق هو أساس الأديان، هكذا ُيحكم البشر.

وفي مسرحية ( امرأة بلا أهمية ) قال: المرأة المتمردة تبدأ بالتمرد على ذاتها .

وتظل واحدة من أكثر عبارات أوسكار وايلد إلحاحًا على ذهني هي تلك التي وردت في مسرحية (مروحة الليدي ويندمير) أو  Lady Windermere's Fan,والتي عرضت على مسارح لندن في 1892 . 

وبإيجاز شديد تدور قصة المسرحية  حول سيدة ُتدعى   Lady Windermere وهي من المجتمع الإنجليزي المخملي، تشك في خيانة زوجها لها، لأنه كان يصدر شيكات باهظة لامرأة أخرى، سيتضح فيما بعد أن هذه المرأة ليست عشيقته وإنما حماته، فالزوجة تظن أن أمها ماتت لكن الحقيقة هي أن أمها رحلت عن أبيها من أجل رجل آخر ثم افتقرت بعدما أصبحت وحيدة من جديد، و خشى الزوج على مشاعر زوجته أو صدمتها من اطلاعها على الحقيقة  ...

هنا رحلت Lady Windermere ذات ليلة عن زوجها وهي مقتنعة بأنه يخونها وهربت إلى رجل ُيدعى Lord Arlington   الذي لطالما عبر لها عن عشقه، تصل الأمور إلى ذروتها حين تنقرر والدة Lady Windermere تعقب ابنتها لتوقفها وتعود بها للمنزل بعدما توعز لزوج ابنتها بأنها هي التي كانت برفقة Lord Arlington ، تنتهي المسرحية الكوميدية بأن يعود الزوج و الزوج إلى أحضان بعضهما البعض بعدما تكتشف الزوجة أن زوجها ليس خائنا .

تم اقتباس هذه المسرحية فعلى شاشة السينما المصرية  في فيلم يحمل اسم ( امرأتان ) لكن لم يكن فيلمًا كوميديا كأصل المسرحية،  وُعرضت النسخة المصرية لأول مرة  في 1975 في سينما رمسيس  حسب ما جاء في موسوعة الأفلام العربية- المجلد الأول ( 2017 )   للناقد محمود قاسم.

وفي تلك المسرحية الساخرة، كتب أوسكار وايلد العبارة التي قيلت على لسان شخصية Lord Arlington الذي أحب امرأة ليست في متناول يده فقال " كلنا نعيش في الحضيض ، لكن بعضنا يتطلع إلى النجوم " 

We Are All In The Gutter But Some Of Us Are Looking At The Stars

 

توقفت عند العبارة الجادة  التي أسرت عقلي لبرهة خاصة و أنها وردت في خضم عبارات ساخرة أخرى، فوجدت نفسي أتحول من الضحك إلى السكون

ولأنني اقتربت من شخصية  Lord Arlington بين السطور كما رسمها أوسكار وايلد،   تيقنت  الفلسفة التي جاءت على لسانه، فالمقصود حسب السياق هو أننا كلنا نواجه مصاعب وتحديات في حياتنا لكن بعضنا يتطلع إلى النجوم أي يظل إيجابيًا متفائلا وهو يعُبر محيط الصعاب.

لا توجد حياة بلا مشاكل و الأمر متروك لنا ، إما نلعب دور الضحية و نستسلم للحضيض و إما نواصل مسيرة حياتنا آملين في النجاح والسعادة.

أحتفظ  بمسرحية Lady Windermere's Fan والتي أخذتها من مكتبة أمي في طبعة حديثة تعود لعام 1969 !! حديثة على الأقل بالنسبة للسنة الأصلية التي صدرت فيها ( 1892 ) و بداخل المسرحية وضعت قصاصة ورق على الصفحة التي قال فيها أوسكار وايلد " كلنا نعيش في الحضيض، لكن بعضنا يتطلع إلى النجوم" وعلمتُ العبارة باللون الأخضر الزاهي (لون التفاؤل)

وكلما مررت بصعاب حياتية شخصية أو مهنية أو حتى وجودية إنسانية، أتطلع  إلى هذه المقولة الملونة باللون الأخضر وأدعو  لأوسكار وايلد كما يدعون للأولياء في حلقات الذكر، أدعو لروحه بالسكينة و السعادة لما أدخله في حياتي من ابتسامات عديدة.

إن علاقة القارئ بالكاتب أحيانا تتخطى الخيال والزمان والمكان، وحبنا لبعض الأشخاص يسمو  أحيانا فوق رغبات  التواجد معهم حسيًا لأنهم يعيشون في وجداننا،  ويظل بعضنا يتطلع إلى النجوم. 

التعليقات