نادية عطية تكتب: امرأة حرة

 

لا أتذكر كم كان عمري حينها، لكني كنت طفلة تقفز بكل حرية دون أن تعير اهتماما لمن وما حولها. كنت فرحة وأنا أجمع التمر المتساقط من النخيل الباسق بفستاني القصير الذي يتناسب وحرارة الصحراء أنا القادمة من الجبال الباردة، كنت طفلة لا تنتبه لجسمها ولا ساقيها أو أثدائها التي بالكاد بدأت تظهر لتنبئها بضرورة استعمال قطعة ثياب أخرى تضاف إلى ثيابها الداخلية، قطعت علي مرحي الطفولي أصوات النسوة الموشحات بالسواد وهن تستنكرن علي الفستان الفرح الألوان وتجبرنني على وضع وشاح يغطي جسمي ليس حماية لي من لفحات الشمس الحارقة ولكن حماية لذكور الواحة من وسوسة الشيطان الذي قد يتجسد في ساقي طفلة.. كانت تلك هي المرة الأولى التي أحس فيها اني أعاني من مشكلة كبيرة كوني امرأة .

...

 

بقيت الذكرى لاصقة في ذهني لأنني لم أفهم بكاء العروس التي كانت بالأمس أميرة وسط النساء، كنت أود أن أمسح دموعها وأسالها عن سبب بكائها وألمها لكن رقص النسوة بسروالها الملطخ بالدماء منعني. أحسست بالخجل وبامتعاض كبير من كل تلك الأغاني السخيفة ومن ابتهاج أمها التي رددت أن ابنتها فازت بصك الشرف وأن عليها أن ترفع رأسها عاليا .

...

 

لم ينتبه أحد إلى أنه خالف شرع الله ولم يخافوا من عقاب الله وهم يتقاسمون الإرث ويقررون أن تبقى الأراضي في حوزة الذكور وأن يمنحوا الاناث بعض المال. فالأرض عرض لا يصح أن تنتقل لملكية رجل آخر غير رجال العائلة ... وهؤلاء أنفسهم من يصرخون ويولولون إذا ما سمعوا بإعادة النظر في قانون الإرث بألا تبديل لشرع الله .

....

 

كان علي أن أبذل جهدا مضاعفا لأنني اخترت هذا التخصص الذي لا يليق سوى بالذكور لأثبت أني جديرة به وكنا ثلاث بنات نحس بغربة كبيرة وسط عشرين ذكرا فالرياضيات تحتاج لعقل ذكوري سليم والمرأة مهما نضج عقلها يبقى عاطفيا تطغى عليه الانفعالات وحتى عندما تفوقت كان علي أن أرضخ لرأي جاهل يقر بأن القسمة على صفر تساوي صفرا وهو الغاضب لأن امرأة تافهة تجادله في حقيقة غبية  .

....

 

سيقول لك هي من تحرشت بي وأنا رجل فحل سأكون غبيا إن لم أستجب لكنه إذا استعمل كل الأساليب الدنيئة وكذب وقال الشعر وتغزل وقدم الهدايا فهي ساقطة إن استجابت .

...

 

ضبطت الطفلة المراهقة مع كهل أعزب في بيته فأخرجتها صاحبة البيت بفضيحة ، نسي الجميع الكهل بعد أن امتثل لأوامر صاحبة البيت بعدم إحضار عشيقاته وأما المراهقة فقد وشم على جبهتها صك الاستباحة. أصبحت جسدا مباحا لكل ذكور الحي وزملاء المدرسة . لا يحق لها أن ترفض لمسة طائشة أو كلمة سافلة ولا أن ترفع رأسها. حتى صديقاتها هي بالنسبة لهن ذلك العار الذي يمنحهن التباهي بعفتهن .

...

كم لقطة علي ان أسرد ،وكم حكاية سأحكي حتى ندرك ذلك القهر الدفين الظاهر واللامرئي الذي يمارس على النساء ،وقد تعمدت الا اسرد حكايات قهر السلطة لانه قهر مشترك نعاني منه سويا رجالا ونساء واني وان كنت أقر بانه الاعنف وبان القهر قهر مزدوج فاني ادرك ان القهر المضاعف الذي تعاني منه المرأة اخطر ،اخطر لانه مرتبط ببنية ثقافية يصعب تفكيكها بين يوم وليلة ،اخطر لانه يختزن تاريخا طويلا من التهميش والتجهيل ،اخطر لان المراة نفسها هي خزان انتاجه واعادة انتاجه حتى يبقى الحال على ما هو عليه ،اخطر لان جهود كل من يخدمهم هذا الوضع تتظافر اما للحفاظ على الوضع القائم او للمتاجرة بقضية المرأة كما تمت دائما المتاجرة بها من أجل شرف زائف او نسب طامع او نسل متجدد ..عليك سيدي ان تكون امرأة ،عليك سيدتي أن تكوني امرأة حرة في مجتمع ذكوري حتى تدركا ما أقول

 

التعليقات