رباب كمال تكتب: التطبيع مع التطرف

 

مشهد نهاري في أحد أيام شهر فبراير 2018، في غرفة غير نهارية، حظيتُ يومها لحظي السعيد برفقة أحد الأشخاص المعروف عنهم الاهتمام باستقرارالوطن ضد التطرف على حسب قوله، ُدعيت إلى إفطار وجلسة ودية من نوع خاص ولكنها أيضًا كانت جلسة تبادل فكرية مع شخص يدافع عن وطنه كما أكد مرارًا وتكرارًا، وبدأ الحديث الودي بالسؤال عن خطورة الأفكار التي ُأبشر بها ..
إن كلمة التبشير نفسها لها مدلولات أمنية في بلادنا بالرغم أنها تعني الدعوة لشيء ما، ويحق لكل شخص أن يدعو لشيء ما طالما أن الدعوة لا تتضمن التحريض أو الإيذاء أو القتل أو التمييز ضد الآخرين، لكن حتى لا ُيكتب علينا التيه كما ُكتب على الذين من قبلنا، حاولنا تبسيط المفاهيم بدلا من الدخول في إشكالية التعريفات والمفاهيم على الأقل أثناء تناول الإفطار .
إن كنتُ أنا ومجموعة من الأصدقاء ندعو لشيء ما فنحن ندعو إلى التعايش مع الآخرين دون أن نهتم بعقيدتهم سواء أكانوا أصحاب أديان إبراهيمية أو غيرها بل وندافع عن حقهم في التعبير والإفصاح عن معتقداتهم وممارسة شعائرهم.  وندعو لرفع كافة أشكال التمييز ضد المرأة دون التمحك في تأويلات دينية أو فقهية في تشريعاتنا المدنية، وعن نفسي أعلن عدم اهتمامي لا من قريب ولا بعيد بما ُيعرف بـ " جنسانية " المواطن لأن استقرار الوطن لا علاقة له بالتوجهات الجنسية لمواطنيه طالما أنها تتم بالتراضي وليس بالغصب بين أفراد ناضجين ويتمتعون بالأهلية الكاملة ( مع العلم أن البيدوفيليا والتحرش والاغتصاب والإجبار على العلاقة الزوجية ليست حريات جنسية ) أي أنني أدعو للإنسانية والإنسان  إن كنت فعلا أدعو لشيء..
انتشيتُ بصوتي الهادئ في التعبير وتناولت قطعة من الخبز وقبل أن أتمكن من ابتلاعها جاءني الرد بصوت عميق غاضب وليس عالٍ
"متى وكيف اعتنقت هذه الأفكار المتطرفة ؟!"
ابتعلت كسرة الخبز بنجاح وذلك بعد رشفة ماء استهلكت نصف كوب كبير وسعال خفيف متتالٍ لطرد حبات الخبز المحتبسة في الحلق. وهنا حتّم الموقف أن ندخل في إشكالية التعريفات لما هو متطرف ولما هو ليس متطرف.. وانتهت الجلسة بسلام حتى وإن لم أستكمل الفطور وطالبني رفيق الإفطار- الذي لم أتناوله كاملا - بضرورة مراجعة أفكاري الراديكالية حتى لا نعصف بمقدرات الوطن! ويبقى السؤال..أي أوطان ُتبنى على العصف بمقدرات الإنسان؟

لربما أن المشكلة لا تكمن فقط فيمن يعتقدون أنهم يحافظون على الأمن والاستقرار العام فحسب، المشكلة تكمن في الثقافة العامة التي تغذي هذا الشعور ويتم تطويعه سلطويًا، فإن نشأت أجيال على أفكار متطرفة أو عنصرية، ستعتقد تلك الأجيال أن التطرف والعنصرية هي الحالة الكونية الطبيعية، فنجد أنفسنا نعيش في مجتمع في حالة تطبيع دائم مع الأفكار المتطرفة، فيصبح التطرف مقبول اجتماعيًا، وكنتيجة طبيعية تصبح دعوات التسامح وقبول الآخر من الأفكار الشاذة مجتمعيًا، وتصبح الأصوات التي تنادي بالحقوق الأساسية لأي إنسان أو المساواة أو رفض التمييز من أي نوع مجرد أصوات متطرفة تعبث بالاستقرارالمجتمعي، وهنا قد يحاول المتطرف إقناعك بأن عدم قبولك لتطرفه نوع من أنواع التطرف، وهي حالة ليست بجديدة على تاريخ البشرية في أزمنة سابقة وحديثة، سواء أكان في الشرق أم الغرب، فُيتهم من يحاول صنع أي تغيير في المجتمع بأنه متطرف راديكالي حتى لو كان إصلاحي.

والراديكالية كلمة مشتقة من اليونانية Radix وتعني باللغة العربية "الجذر"، والراديكالية ليست بالضرورة دموية أو متطرفة في معناها اللغوي، ولكنها تعني التغيير من الجذور والأصول، لكنها ارتبطت في حالتنا الذهنية بالتطرف والتعصب فقط دون سوها، وبكل تأكيد فإن التوجهات المتعصبة راديكالية لكن هذا لا يعني أن كل حراك ٍ راديكالي متطرف بالضرورة، قد تكون الحركات الراديكالية متطرفة وعنصرية وقد تكون الحركات الراديكالية سلمية.

لربما أشهر حراك راديكالي في القرن العشرين هدف إلى التغيير المجتمعي؛ كان حراكا سلميًا و ُعرف باسم " اللاعنف" أو Non Violence وهو حراك دعى إليه المناضل الهندي ( مهاتما غاندي ) وأراد به أن يقتلع المحتل البريطاني من جذوره ويؤسس للتعايش السلمي.
وعليه.. فليس كل الحركات الراديكالية متطرفة ، فهناك حركات راديكالية ( سلمية ) إصلاحية ضرورية خاصة إن وصلت المجتمعات إلى حالة مستعصية من التعايش مع العنف أو التطبيع مع التطرف أو وصلت المجتمعات لحالة غير إنسانية من التمييز بسبب الغلبة الدينية والعرقية أو التمييز النوعي مثل التمييز ضد النساء خاصة التمييز القائم ضدهن على معتقدات دينية .
ومن أشهر الأمثلة على الحراك الراديكالي السلمي Alice Paul الحقوقية الأمريكية التي ناضلت لحصول المرأة على حق النساء في التصويات في الإنتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع القرن العشرين سنجد أنها اُتهمت بالتطرف في عهد الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون، لدرجة أنها ُسجنت وقت الحرب العالمية الأولى عام 1914 لما تمثله من تهديد مجتمعي بسبب أفكارها الراديكالية الشاذة وحين أضربت عن الطعام ، قامت إدارة السجن بإطعامها بالقوة مما استلزم أن يقوم سجانها بتركيب لجامًا لها !! هكذا اتهمت إدارة السجن المناضلة الحقوقية بأنها متطرفة .

والباكستانية ( ملالا يوسف-  مواليد 1997  ) ُاتهمت بأنها راديكالية تخرج عن أعراف المجتمع حين طالبت بتعليم النساء فكان جزاءها طلقة رصاص في الرأس لكبح جماح عقلها الراديكالي في 2012 وهي الـ 15 من عمرها، فراديكالية ملالا كادت  ُتفسد الاستقرار المجتمعي في حرمان الفتيات من التعليم في مقاطعة تعيش فيها في غرب باكستان.
واتهام النسويات بالتطرف في مصر والعالم العربي أمر متعارف عليه كذلك، ولربما ُيمكن رصده من خلال الأعمال الفنية التي كانت تسخر من العمل النسوي وتصورالنسوية بفاقدة الأنوثة ومن أشهر هذه المسرحيات مسرحية " تخاريف ( إنتاج 1989 ) وعن نفسي أحب هذه المسرحية وكتابات لينين الرملي بشكل عام إلا أنه لا يسعنا غض البصر عن فصل بأكمله تم تكريسه لفكرة النسوية المسترجلة التي تسعى لأن تكون قائدة في عملها والمتطوعة في جمعية المرأة المتوحشة! وهذا الفصل  كان  انعكاسًا  للأفكار المجتمعية السائدة.
اليوم ُتتهم النسويات الداعمات لصياغة قوانين ُتجرم اغتصاب الزوجات أو ضربهن بأنهن متطرفات وكذلك النسويات الداعمات لحق مساو في الطلاق ُيتهمن بالراديكالية العنيفة و ُتتهم النسويات الرافضات لتشويه الأعضاء التناسلية للإناث بأنهن يحجرون على حرية الرأي لمن يريد أن يشوه ابنته ! فانقلبت الموازين تماما،  وُتتهم النسويات اللاتي ساندن حركة حقوق المرأة في تونس بأنهن نسويات ماجنات .

ومن يستخدم اتهامات الراديكالية ضد النساء لا يقصد هنا استخدام اللفظ في نطاقة اللغوي ( التغيير الجذري )  وإنما بغرض استخدامه في إطار اتهام النسويات أنهم متطرفات جامحات وهو ما أشار إليه  شيخ الأزهر نفسه أحمد الطيب في 2017  حين قال تعقيبا على المساواة في الإرث و حق المرأة في اختيار زوجها بغض النظر عن الملة ( بالمساواة مع الذكر المسلم ) بأنه فكر جامح.
ظاهرة التطبيع مع التطرف والعنصرية  تعتمد على سيكلوجية فريدة من نوعها ومن الممكن أن نحاول حصرها في المحاور الآتية ..
أولا : الاسقاط النفسي، ومن خلاله يتم اتهام المنادون بالحقوق الأساسية بأنهم متطرفون، وتعتمد هذه السيكولوجية على اتهام من يحارب التطرف بأنه مشعل للفتنة وأن الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، فالأمور  مستتبة  والاستقرار في مخيلة العامة قائم على عدم الخوض في الحقوق المهدرة، بالرغم أن الاستقرار قائم على منظومة العدل والمساواة وعدم التهميش.
ثانيًا : أغلبية العامة التي تتبنى أفكارًا إقصائية متطرفة لا يدركون أنهم يحملون أيدلوجية التطرف بل تعتقد هذه الغالبية أو يخيل إليها بسبب نظام التعليم أو الموروثات المجتمعية أو الدينية أنها تحمي المجتمع من الشرور وقد تصدر إيماءات عنصرية عن أناس غاية في السلمية. ومن الحالات التي رصدتها على أرض الواقع ، حالة لزميلة عمل – أبعد ما يكون عن التطرف الظاهري – إلا أنه تراءى لها أن جيرانها المسيحيون الذين يصلون في المنزل متطرفون لأنهم لم يلتزموا بإقامة الصلوات في الأماكن المخصصة على اعتبار أنهم يعيشون في بلاد ذات أغلبية مسلمة، دون أن تنظر للتمييز البين والواضح في قانون بناء دور العبادة في مصر، ودون أن تضع في اعتبارها أن المسلم قد يفترش الطرقات والشارع ليصلي بينما ُيعتبر ذلك في حالة المسيحي مخالفة على خلفية صلاة دون ترخيص.
ثالثا : التطبيع مع التطرف أيضًا قد يصدر عن أناس لا يميلون إلى ارتكاب العنف بأنفسهم ولكنهم يميلون أو ينادون السلطات بذلك أو ينادون كبير القرية بذلك على اعتبار أن كبير القرية مصدر للسلطة في كثير من المناطق الجغرافية، فالحالة الإنسانية الطبيعية هي التعايش مع أصحاب العقائد المختلفة وإنما المطبعون مع التطرف يرون أن من يخالفهم العقيدة أو يخرج عنها أو يعتنق عقيدة خارج إطار الأديان الإبراهيمية شخص متطرف لزم مواجهته بالاستتابة أو حد الردة والردة والقتل مسميات مختلفة لنفس المفهوم، لكن العقل المتطرف لا يفرق بين المرادفين، فيعتبر العقل المتطرف أن حد الردة شيء أخلاقي.

هنا يأتي دور التعليم والثقافة والمجتمع المدني والأهم التربية الإنسانية في مدارسنا  التي ُتعد أهم من التربية الدينية والوطنية، لأنه تحت مسمى الأديان والأوطان ُينتهك الإنسان وندخل في دائرة التطبيع مع التطرف والإرهاب. 
 

التعليقات