سلمى النقاش تكتب: عن قضايا النساء والسياسة في مصر

 

أنا نسوية... هذا هو موقعي السياسي الذي أنطلق منه كلما تأملت الشأن العام والمجال السياسي في مصر. كنت أرى فرصاً للبناء من داخل الأطر القائمة دائماً وأتبنى اقتراب يرى الاستثمار في سد الثغرات الموجودة عوضاً عن هدم الأطر وبناءها من جديد حلاً. وعندما أتأمل التيارات السياسية الديمقراطية وتنظيماتها التي تتبنى مشروعاً تحررياً يسعى لتحقيق العدل ورفع الظلم والدعوة إلى المساواة، دائماً ما أرى الفجوة قائمة فيما يتعلق بقضايا النساء. ومن ثمّ أسعى لأن أقوم بدور فاعل نسوي يبذل كل ما في طاقته للضغط من أجل وضع مثل هذه القضايا على أولويات البرنامج السياسي للجماعة الديمقراطية في هذا الوطن.
ويتخذ العنف القائم على النوع موقع الأولوية في القضايا المشار إليها لأنه الأكثر حساسية والأسهل في التجاهل، خاصة إذا كان مرتكبيه من داخل الأطر التقدمية السياسية والحقوقية التي تطرح مشروعاً تحررياً داعماً للعدالة الاجتماعية والمساواة، فهذه الأسئلة الكبرى التي تطرحها مثل هذه الأطر يجب أن يأتي في مركزها قضايا التحرر من العنف والقضاء على التمييز المبني على النوع؛ ولا مفرّ لنا من قبول هذا الأمر على اعتباره أمراً غير قابل للتفاوض بالنسبة للحركة النسوية التي طالما ناضلت من أجل وضع قضايا النساء موضع الأولوية القصوى في المجال السياسي. فما البديل القائم لنا سوى النظر إلى أنفسنا كجماعة مصالح تسعى لاتخاذ الأطراف الديمقراطية حليفاً لها؟ ولكن ليس عن طريق المساومة على حقوق النساء، وإنما بالضغط والحشد المباشر لهذه الأطراف من أجل تبني قضايانا التي تُظلم كثيراً عندما نمر بمراحل تحول وتغييرات سياسية متلاحقة لا ترحمنا جميعاً - نحن من نؤمن بالحق والعدل والمساواة طريقاً.
قد يغضب بعضنا (وهنا أتخذ من نفسي مثالاً) ويصب مثل هذه المشاعر والانفعالات على الفاعلين السياسيين من الحلفاء المنشودين، خاصة عندما تتخاذل أطراف من هؤلاء في الدفاع عن قضيتنا التي لولا صراخنا الذي يكرهه الكثيرين لما التفت إليها أحد. وقد نعبّر عن هذا الغضب بصورة فوضوية وقصيرة الأمد لا تنظر إلى المدى البعيد، حيث لم يكن هناك بديلاً نستند إليه حتى نشعر بقدرتنا على الفعل عوضاً عن اجترار مراراتنا التاريخية التي تعيد نفسها في حقب زمنية متتالية.
لا تتمكن فاعلات الحركة النسوية من تفادي هذا السؤال المتجذر في الحركة أو تتجنب طرحه لمجرد أنه "مش وقته" أو لكونه أحد الأثمان المطلوب دفعها مقدماً حتى يتحقق الصالح العام، ومع ذلك عندما يأتي مرتكبي العنف من خارج الأطر السياسية الديمقراطية ما أسهل الحديث عنه والتوجه للدولة حتى تتحمّل مسئوليتها في حماية النساء، ولكن ماذا عن مسئولية الجماعة الديمقراطية تجاه هذه القضية الملحة دائماً وأبداً؟ ألم يحن الوقت بعد أن تتحرر هذه الجماعة من النمط الدفاعي المتكرر الذي ينطبع على فعلها وقولها إذا كان القائم على ممارسة العنف طرفاً ينتمي إليها؟ شئنا أم أبينا لن نتمكن من اتخاذ الأطراف الفاعلة الديمقراطية حليفاً دون أن تنحاز لقاضايانا مثلما تنحاز للدفاع عن معتلقي الرأي والصحافة والسيادة على الأرض وغيرها من المعارك الديمقراطية التي لا نتناساها ولا نقلل من أهميتها، بل نؤكد على أهمية قضايانا جنباً إلى جنب معها. الدفاع عن الناجيات من العنف بكل صوره خاصة ممن تعرضن إليه داخل الأطر السياسية أو الحقوقية لا يقلً أهمية عن الضغط من أجل إطلاق سراح معتقلي المسيرات والتظاهرات السلمية أو الاحتجاج من أجل حرية الرأي والتعبير.
وجود النساء في السياسة لا يعني غياب البديل عن المواءمات السياسية فيما يخص قضايا النساء، وخاصة إذا كنّ من النسويات اللاتي يربطن موقعهن السياسي بفعلهن النسوي، وهذا ما أعنيه بأن قضايا النساء قضايا سياسية ولا يمكن أن توصف بغير ذلك. أن تكون حليفاً لقضيتي يعني التزامي بتبني ما تدافع عنه وعليك أن تدافع عما يعنيني (يبدو الأمر بديهياً) وهو التصور المقبول في وجهة نظري للمواءمة السياسية، غير أنه لابد أن يكون مجال العمل السياسي الديمقراطي بالأخص آمن لي ولغيري من الأكثر عرضة للانتهاك حتى نتمكن من الفعل السياسي، وهو أضعف الإيمان.
أرجو أن يتسع صدر الجميع للمراجعات الفكرية الحقيقية، وإعادة النظر فيما نقوله كنسويات لأننا فاعلات وموجودات في ساحات الديمقراطية ونسعى كما يسعى الجميع إلى التحرر من قيود القمع والأبوية، جلّ ما في الأمر أننا ليس لدينا استعداد للمساومة على حقوقنا حتى يرانا الجميع عاملاً هاماً في هذه المعادلة الصعبة. لا نرى الأطراف الديمقراطية أعداءاً لنا لكن كثيراً ما يتخاذلون عندما نستدعيهم حلفاءاً، ونوضع تحت المجهر إذا عبّرنا عن وجهة نظر تقول بنكران بعضهم لعدالة ما نطلبه. جميعنا يرغب في التحرر من القمع والاستبداد، ولكن لا يبدو أن الجميع يدرك أن استبدال الاستبداد باستبداد من نوع آخر ليس المنتهى. يمكننا أن نحاسب الدولة على أخطاءها ونقف لها بالمرصاد، ولكن ألا يتوجب علينا محاسبة حلفاءنا أيضاً؟ ألا يجب علينا أن نراجع ما صدقناه وفعلناه وننظر إلى موقعيتنا المتغيرة وكذا موقع حلفاءنا؟ لا يمكن للنسويات دفن رؤوسهن في الرمال، وبالأخص إن كان يتملكنا الشعور بالأسى لما آل إليه الحال. يجب أن تُبنى المشروعات السياسية الكبرى على مبادئ وعلى مصداقية حقيقية حتى لا يتجدد الشعور بالأمان الزائف والأمل المتبدد في مستقبل أفضل.
والحديث عن المرارة الشخصية لا ينتهي ويمكن أن أكتب فيه الكثير، لكن لا مجال للمشاعر الخاصة التي قتلت من قبلنا أخريات، ورغم الغصة في الحلق إلا أنني لازلت أؤمن بالفرص المطروحة لتغيير الواقع البائس الذي يزيد من شعورنا بالهزيمة كل يوم. جميعنا على اختلافاتنا مهزومون ولنا أن نتجاوز الهزيمة بالرغبة في التغيير أو أن نجلس سوياً لاجترار المزيد من الألم والهزائم سوياً حتى تقتلنا جميعاً عوضاً عن محاسبة أنفسنا بالمراجعات السياسية المطلوبة منا. إن الاعتذار هو بداية تصحيح الخطأ، وأمامنا طريقاً طويلاً نسلكه سوياً لإعادة صياغة أطرنا السياسية بحيث تصير مبدئية وذات مصداقية مبنية على الأسس الأخلاقية التي ننادي بها. يمكننا أن نتخذ مواقف سياسية مبدئية وليس هناك تضاداً في هذا الوصف، وهذا يعني اللجوء إلى مواقف سياسية حادة تعلي من شأن الحق والعدل أولاً كما يرغب جميعنا، وهكذا نُخرج أنفسنا جميعاً من الازدواجية السياسية التي تصيبنا بين الحين والآخر.

التعليقات