رباب كمال تكتب: الأسماك لا تأكل الفراولة

" أنا أحب الفراولة و القشدة ، لكن لسبب غريب الأسماك تحب الدود ، لهذا حين أذهب للسمك لا أحمل الفراولة و القشدة كانت هذه فقرة في كتاب صدر عام 1936 بعنوان how to win friends and influence people ، كيف تكسب الأصدقاء و تؤثر على الناس ولربما يمكن أن نترجمها إلى ( الجماهير ) للكاتب الأمريكي Dale carngie ( دايل كارينجي ) .
بالرغم أن الفقرة بسيطة لكننا نخرج بها بدرس عظيم يمر علينا مرور الكرام ألا وهو أن الأسماك لا تأكل الفراولة ! أي أن اهتمامات الناس و قضاياها و شغفها في الحياة يختلف من شخص لآخر، فتصبح القوة هي أن تحمل النخب تلك الجماهير على تبني وجهة نظرها وهذا هو التحدي الأكبر ، فمن يكسب تأييد الجماهير هو الفائز الحقيقي.
ُولد مؤلف الكتاب ( دايل كارنجي) عام 1885 في الولايات المتحدة الأمريكية ونشأ في ظروف عسيرة و فقيرة، وناضل في دراسته حتى تخرج من كلية المعلمين في ولاية ميسوري، بالرغم من ذلك عمل كارنيجي في مجال المبيعات والتسويق، وكان يعمل على تسويق الصابون والمنتجات الغذائية . وبحلول عام 1912 استعان كارنيجي بما تيسر له من دراسة و موهبة وبدأ في تدريس " الخطابة " في بعض ورش العمل ، لقد درس في كلية المعلمين كافة أشكال العلوم التربوية من ناحية و عمل في المبيعات واكتسب مهارة التوسيق من جهة أخرى ، فأصبحت موهبته فن التأثير على الناس ، وأصدر دليل الخطابة وفن الحديث لرجال الأعمال عام 1926 و ذاع صيته بشدة .

وظل كارنيجي يكتب في مجال التسويق و إدارة الأعمال حتى أصدر الكتاب الذي أشرنا إليه مسبقًا (" كيف تكسب الأصدقاء و تؤثر على الناس) وبالرغم أنه كتاب موجه لفئة المهتمين بإدارة الأعمال إلا أنه تحول لكتاب مفيد للسياسيين و المهتمين بالمجال العام . من أهم ما جاء في الكتاب نظرية ( كارنيجي ) بأن الناس ستمل منك إن كنت تكلمهم باستعلاء و هذا لن يخدم قضيتك أو رسالتك ، و هنا خرج بفلسفة عبر عنها بكلمات بسيطة فقال إن أردت أن يهتم الناس بأفكارك اهتم بهم و هذا يقطع نصف المسافة ( ( if you want to be interesting be interested كما يؤكد ( كارنيجي ) أن جزء كبير من جذب انتباه الآخرين هو إظهار التعاطف و الاهتمام بمشاكلهم اليومية ، حتى و إن كانت مختلفة تماما عن نسق ما تريد قوله.

لا أعرف لماذا أتذكر كتاب ( كارنيجي ) كثيرًا كلما بدأت بعض النخب المصرية حملاتها في تهميش قضايا الجماهير أو حين تسن أسنانها لتسفه أي قضية أو مأسأة جماهيرية خاصة في ظل ارتفاع أسعار المعيشة الجنوني، فكيف يسمع العامة للنخب التي تسخر منهم وتطلب من السلطة سحقهم ؟! فالأخطر من عدم الاهتمام بالمشاكل الجماهيرية هو السخرية منها هل هذا يعني أن النخب عليها أن ُتدلس على الجماهير و تختار خطابًا شعبويًا يداعب الهوى؟ لا بكل تأكيد ، فالهدف ليس الاتجار بمشاكلهم و لكن الهدف هو أن تسأل النخب نفسها " لماذا يهتم العامة بقضية الثقافة و التنوير ، ما مصلحتهم في هذا ؟ فتغيير أفكار الناس يعتمد على المصلحة ، فلن تغير الناس أفكارها لمجرد أن النخب تهينهم أو تقلل من مشاكاهم في نهاية المطاف .

لا بأس من متابعة المعارك الفكرية التنويرية لكن دون الانفصال عن المعارك المعيشية فكل ما هنالك هو أن تدرك تلك النخب التي تريد أن تفرض " التنوير " بالقوة أن الأسماك لا تأكل الفراولة !!

التعليقات