رباب كمال تكتب: عضتني وأنا بخنقها!


مصاصي الطاقة أوEnergy Vampires  من المصطلحات التي وجدت طريقها إلى العيادات النفسية ومن ثم إلى واقع حياتنا، مصطلح يحمل قوة المعنى، فمن يستنزف طاقتك الذهنية والنفسية أشبه بتلك الكائنات الخرافية المسماه بمصاصي الدماء، إلا أنهم يمتصون طاقتك الإيجابية ويستنزفون  قواك الذهنية وقدرة تحملك النفسية.

تطرقت د. شيري بورج كارتر Sherrie Bourg Carter إلى هذا الأمر في كتابها الصادر عام 2011 والمعنون بـ  High Octane Women  أو نساء طامحات ( مترجم بتصرف ) .

بالرغم أن الكتاب يهتم بالقوى النفسية للنساء في مجال العمل وفي وسط الضغط المجتمعي الذي تكابده المرأة في الوقت الراهن؛ إلا أن ما طرحته مؤلفة الكتاب من الممكن أن يتم تعميمه على ما يواجهه  الرجال والنساء من ضغوطات نفسية وعصبية على حد سواء من جراء التعامل مع  الشخصيات السلبية التي تستنزف قوانا.

الشخصيات السلبية أطلقت عليهم د. شيري بورج كارتر  لقب مصاصي الطاقة  و ُيمكن  تصنيفهم على النحو التالي:

-         هم  من لا يعرفون حدودهم في التعاملات و يسعون للتدخل في حياتك بشكل دائم.

-         يميلون إلى النكد، ويضخمون الأحداث بشكل درامي أو كما أشارت د. شيري في كتابها حرفيًا أنهم يصنعون من الحبة قبة make mountains out of molehills.

-         لا يرون سوى الجانب المظلم في كل شيء، دائمًا ينتقدون الأشخاص والأشياء بشكل عام دون أن يرون جانبًا إيجابيًا واحدًا

-         المصابون بداء الشكوى المزمنة أو كما أسمتهم د. شيري Chronic complainers

-         هم أشخاص يميلون إلى العيش في حالة جدال تام ولا يسعون لرؤية أي قواسم مشتركة مع الآخرين.

-         لا يقبلون الرفض، الإلحاح وسيلتهم في الحياة وفي التعامل مع البشرية جمعاء

-         لا يتحملون المسؤولية، فالكون كله يتحمل الخطأ عداهم ُهم، فيفتقدون ثقافة الاعتذار اللائقة

لكن ماذا بعد التصنيفات التي طرحتها د. شيري؟ هل من علاج لتلك المواقف التي نجد أنفسنا فيها في مواجهة أناس يستنزفون طاقتنا؟ بالتأكيد أن التشخيص جزء من علاج الموقف و القدرة على رصد هؤلاء مهم جدا ولو أن المشكلة الأكبر تكمن في ماذا لو كان هؤلاء من الأسرة القريبة أو من الأصدقاء المقربين أي الدائرة المحيطة جدًا؟ بالتأكيد أن الأمور ستزاداد تعقيدًا

تدرك د. شيري هذه الأزمة و لكنها تضع كذلك بعض الخطوط العريضة من أهمها : -

أولا:  الرصد

تقول د. شيري أنه لا يمكننا رصد الطبيعة السلبية على الدوام لمصاصي الطاقة من الوهلة الأولى، وهنا تطالبنا بالانتباه للغة الجسد و المشاعر التي تنتابنا ولا ننكرها ، فمثلا تعاني أجسادنا من انقباضات عضلية وقد نصاب بالصداع من مجرد الحديث أو اللقاء مع أشخاص بعينهم. قد تتحول حالتنا المزاجية بحضورهم من السكون إلى الاضطراب وهنا لابد من الانتباه والربط خاصة إن تكرر الأمر أكثر من مرة.

ثانيًا:  وضع الحدود

في حالة رصد هذه الشخصيات التي تمتص طاقتك الإيجابية، عليك وضع حدود واضحة، فقلل قدر المستطاع وقتك الذي تقضيه معهم، وهنا تنصح د. شيري بالرحيل عن دوائرهم لو كانوا من دائرة المعارف العامة، التقليل من الاحتكاك بهم إن كانوا من دائرة عمل، و لكن إن كانوا من دائرة القرابة من الدرجة الأولى فهنا لابد من الحديث معهم ولفت انتباههم لما يفعلونه، وتصف د. شيري هذه الحالة بـ الرحيل المهذب.

ثالثا: لا تتورط معهم

بعض الناس التي تحرص على استنزاف طاقتك الإيجابية تجذبك إلى بؤرة مشاكلها، عليك أن تدرك بأنك لن تكون قادرًا على مساعدة من لا يقوى على مساعدة نفسه، فغالبا مصاصي الطاقة يجذبونك إلى مشاكلهم ليس لتحلها لهم ولكن لتكون جزءًا منها، بل سيقامون قدرتك على التعاطي مع المشاكل وإن قمت بحل المشكلة سيخترعون المزيد من المشاكل.. وهنا فإن أولويتك هي حماية نفسك من ألاعيبهم الذهنية، وعليك أن تكون حازمًا في رفضك المكوث وسط مشاكلهم التي لا يريدون لها حلا .

تصيغ د. شيري بورج كارتر  كتابها بسلاسة كبيرة ولا أعرف لماذا تذكرت أناس بعينهم وهي تسرد وتحلل طبيعة الشخصيات التي تستنزف قوانا العصبية والذهنية ومن ثم ُتحملنا مسؤولية آلامهم أو إخفاقاتهم في الحياة، الأمر أشبه بتلك اللقطة السينمائية الشهيرة في فيلم ريا وسكينا (إنتاج عام 1954) حين قامت الفنانة المصرية نجمة إبراهيم بخنق ضحيتها ثم شكت من أن الضحية افترت عليها وعضتها قبل أن تفارق الحياة، فصنعت أشهر إفيه effet  في السينما المصرية:

" بنت الحرام عضتني في إيدي وانا بخنقها .. تقولش عدوتها "

نحن بكل تأكيد نعيش في أوقات عصيبة و الطاقة الإيجابية أصبحت عملة نادرة نبحث عنها في كل أركان حياتنا، والتعامل مع استنزاف الطاقة يتطلب أن ُنحيط أنفسنا بقدر المستطاع بشخصيات تبث الطاقة الإيجابية حتى لا يتركون قوانا العقلية و العصبية هباءًا منثورًا.

ولربما هنا  نقتبس الكاتب الأمريكي الراحل Jim Rohn ( جيم رون ) 1930-2009 في مقولته الشهيرة. "أنت تتطبع بطباع الخمس أشخاص الذين تقضي معهم معظم أوقاتك، فاختر دائرتك  بعناية".

التعليقات