دعاء عبد الفتاح تكتب: التستوستيرون يقتل

قد يبدو الحديث عن التحرش الجنسي في مصر حديث معاد وعديم الجدوى إذ أن تناول هذه الظاهرة بات غير منقطعا في الإعلام والندوات على المستوى العام والخاص، إذ تُعرض التحليلات والمقترحات والحلول، ولكن ما إن ينزل الباحثون الى أرض الواقع حتى يجدوا أن المتحرشين مستمرين في الإيقاع بمزيد من الضحايا وأن نسبة التحرش فى مصر وفقا لإحصائية الأمم المتحدة قد بلغ 99.3 %.

أعبر الشارع كواحدة من آلاف المصريات اللاتى حكمت عليهن ظروف جغرافية تعيسة أن يولدن في هذا الركن من الكرة الارضية. لم أعد أرغب في عد عدد العيون والوجوه التي تعلق عينيها على صدري أو أردافي ناهيك عن التعليقات التي تبدأ من "اية يا بطل" منتهية بعبارات خادشة للحياء ودعوات لركوب سيارة أحدهم، تلك العبارات التى تدفعنى إلى التفكير بيأس وباستمرار فى أنه ولابد أن هناك خطأ ما في شكلى أو جسمى يجعل كل هؤلاء ينظرون بنفس النظرة الشهوانية الجائعة. الإحساس بالخوف والدونية وعدم الرغبة فى الخروج من المنزل وأحيانا الرغبة فى التقيأ هى أهم الاعراض المصاحبة لقضاء خروجة لطيفة مع الاصدقاء.
أفكر مليا قبل أن انزل الى الشارع في عدد الطبقات التى يجب أن أرتديها فى صيف 2018 حتى لا أكون معرضة لكل ما يثير الحنق فى نفسي. الحياة فى مصر تسلبنا أبسط حقوقنا النفسية والطبيعية فى امتلاك الجسد والعبور به فى طريق ما دون أن يضعك جسدك فى ورطة.
تعقدت علاقتى بجسدى الممتلىء إذ أصبحت أرغب فى مداراته بأكبر كم ممكن من القطع، حتى لا أضع فرصة أمام الأعين الجائعة فى فرزه والتدقيق فيه, أنا التى لم تحب من الملابس شيئا أكثر من الفساتين.

لا يمكن عزل الحديث عن التحرش في سياق المرأة الناجية فحسب لكن بالعودة إلى الفاعل الرئيسي نجد أننا أمام شخص يتمتع بمتعة وقتية قصيرة، ليس بسبب مغازلة جنسية أو لمس جسد أنثى ما بل لشعور دفين لدى هذا الجانى بالتفوق والقدرة على من لا حيلة لها. فنجد أنه كلما عبرت المرأة عن امتعاضها وغضبها كلما زادت متعة المتحرش وظنه بأنه قد اثبت تفوق ما على هذا الفتاة وغيرها. يدعم هذا السلوك موافقة ضمنية بالمشاركة او الصمت أو امتهان الضحية من العابرين بالشارع، وفى حال اللجوء إلى الشرطة يكون من الصعب على الضحية التعرف على أي بيانات خاصة بعابر فى الشارع فينتهى بها الحال إلى الصمت الذى يتبعه شعور بالمهانة والانكسار.
ومع كل هذا نصبح مطالبات بالخروج فى المساحات العامة والنجاح فى العمل والحصول على شريك مناسب وتولى أعلى المناصب والمشاركة السياسية فى حزب ما، كل هذه الطرق التى نمر بها بالتقاطع مع الشوارع المرعبة التى يقتلنا فيها التسوستيرون والذكورية الفجة والسعار الجنسي الذى يعبأ شوارع المحروسة.

أظن أن من بعض ما نأمل فى الحصول عليه أنا وكل نساء مصر فى 2018 وكل السنوات المقبلة، هو المشي في شارع آمن دون الالتفات خوفا إذا ما مر صوت دراجة نارية أو مررنا على قهوة شعبية تلتف فيها رؤوس الرجال لتبتلعنا.

 

التعليقات