"مسيح علي نجاد".. ناشطة إيرانية ضد الحجاب الإلزامي: "ما زلت أتذكر إغراء الرغبة في خلع ثيابي مثل أخي والقفز في النهر"

"كان الحجاب جزء من جسدي"، كلمات وصفت بها الصحفية والناشطة الإيرانية مسيح على نجاد علاقتها الوثيقة بالحجاب والتي دامت لفترة وصلت إلى 16 عاما. الآن، وبعد أن خاضت معركة مع نفسها للتغلب على جذور الثقافة المتأصلة داخلها.

تقول مسيح نجاد إنها، وأثناء جلوسها على مقهى في بروكلين، مررت أصابعها عبر خصلات شعرها المجعد وأدركت أن عملية خلع الحجاب كانت "عملية نفسية معقدة وطويلة".

بعد دقائق من مجيئها إلى العالم في عام 1976 في قرية صغيرة في شمال إيران تسمى جوميكولا، غطى والديها شعرها. كانت تستقيظ في منتصف الليل وتلمس رأسها لتتأكد أن الحجاب لا يزال هناك، فهي لا تتذكر أنها خلعت الحجاب ذات مرة عندما كانت طفلة.

وتتذكر الناشطة الإيرانية طفولتها التي قضتها في البحث ليلا عن الحجاب المنزلق عن شعرها حتى تعيده مرة آخرى قبل أن تستغرق في نومها. وتقول مسيح علي نجاد، أن والدها كان يطلب منها ارتداء ملابس تغطي جسدها من الرأس إلى أخمص القدمين بالإضافة إلى الحجاب والمعطف، وهي الملابس التي تلتزم بها الإيرانيات تطبيقا للقانون. حسبما ذكر موقع مجلة "فوج" الفرنسية.

اشتاقت مسيح إلى الحرية التي تمتع بها شقيقها الأكبر، وتقول: "لم أكن أعرف معنى حقوق الإنسان في سن السابعة، لكنني شعرت بالغضب عندما رأيت أن أخي، وهو أكبر مني بسنتين فقط، يمكنه أن يخرج من المنزل في أي وقت يرغب، يمكنه أن يركب الدراجة وأن يمارس السباحة. لكنني، ولأني فتاة، مُنعت من القيام بكل هذه الأشياء"، مضيفة: "ما زلت أتذكر إغراء الرغبة في خلع ثيابي مثل أخي والقفز في النهر".

وعلى الرغم من التحذيرات التي تلقتها في المنزل والمدرسة، حيث اعتاد رجل الدين على تهديد الطالبات من عواقب كشف شعرهن التي تتمثل في تعرضهن للعذاب في نار جهنم، والشنق بضفائرهن فوق النيران المشتعلة، إلا أن مسيح بدأت في خلع الحجاب في سن السادسة عشر. وعلى الرغم من اعتراضات والدها، تخلت الناشطة الإيرانية عن العباءة واختارت وشاحا بسيطا وطويلا.

بعد ثلاث سنوات، في التاسعة عشر من عمرها، تزوجت من شاعر. خلال هذه الفترة استطاعت أن تحصل على حريتها في ارتداء المعاطف الأنيقة، والحجاب الذي يكشف بعضا من شعرها. كما استطاعت التقاط صورا لها على الشاطئ دون غطاء للرأس. قالت: "عندها فقط اكتشفت شعري. شعري لم يكن جزءًا من جسدي حتى ذلك الحين".

بعد أكثر من 10 أعوام، انفصلت مسيح عن زوجها وعاشت في لندن، حيث كانت تدرس للحصول على درجة البكالريوس في تكنولوجيا الاتصال وتعمل كصحفية. وعلى الرغم من أنها كانت حريصة على خلع الحجاب، إلا أنها لم تستطع أن تفعل ذلك. وتقول مسيح علي نجاد: "لقد نشأت في ثقافة أخبرتنا أن الحجاب يحمينا من الفساد ومن الأشرار، ويبقينا بعيداً عن الخطايا". وأوضحت: "تصبح هذه القيم جزءًا لا يتجزأ من هويتك، بغض النظر عن إنكارك لها".

بحلول عام 2009، كان لدى مسيح نجاد الشجاعة لتظهر شعرها في العلن، لكنها ارتدت قبعة أثناء مقابلة الإيرانين أو خلال ظهورها على التليفزيون.
في لندن، اكتشفت مسيح أن شعرها كان مجعدًا وفوضويًا، وكان الحجاب قد نجح في ترويضه وتسويته، لذلك بدأت في تثبيته على رأسها بشريط مطاطي، لينتشر على جانبي رأسها، بأسلوب شببه ابنها الصغير بشجرة الكريسماس.

في عام 2014، أنشأت مسيح صفحةً على موقع فيسبوك باسم ""My Stealthy Freedom أو "حريتي المسلوبة"، تحث فيها النساءَ على نشر صور لأنفسهن في الأماكن العامة دون حجاب. وفي العام الماضي، أطلقت حملة "الأربعاء الأبيض"، دعت فيها النساء إلى ارتداء أغطية رأسٍ بيضاء أيام الأربعاء، احتجاجاً على قانون الحجاب الإجباري.

بدأ الأمر كله في مايو الماضي، عندما نشرت الناشطة الإيرانية على موقع "فيسبوك" بعض صورها الشخصية القديمة دون حجاب في مناطق مختلفة من إيران، طارحة سؤال حول ما إذا كانت نساء أخريات استطعن خلع الحجاب نهائيا وقاموا بتوثيق ذلك. لم توقع مسيح الاستجابة التي حصلت عليها، فالنساء يرتدين الحجاب منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وتواجه المخالفات السجن أو الغرامة. ولكن ما أدهشها أها تلقت آلاف من الصور ومقاطع الفيديو والرسائل من النساء اللاتي تدين القانون أيضا. من هنا بدأت أولى خطوات صفحة "حريتي المسلوبة" على موقع "فيسبوك".

ظهرت النساء في الصور في الأماكن العامة، وغالباً ظهرن بجانب إشارات تدعو النساء إلى تغطية شعرهن، وبعيدًا عن أعين شرطة الأخلاق. وكتبت إحدى النساء، والتي امتلكت شعر أحمر طويل، وتظهر وهي تضحك بحيوية في صورتها: "هذه أنا، فتاة تبلغ من العمر 24 عاماً من طهران. أحلم باليوم الذي يمكنني فيه اختيار نمط ولون ملابسي، والتي تعتبر حصة ضئيلة من حقوق الإنسان والتي يمكن لأي شخص الحصول عليها".

دفعت الاستجابة الكبيرة على صور مسيح -إذ تمتلك الصفحة الآن أكثر من مليون متابع- اناشطة الإيراية إلى التركيز أكثر على هذه القضية. وقالت: "كنتُ صحفية سياسية، لكن النساء في إيران أجبرنني على الاهتمام بقضية تتعلَّق بالحريات الشخصية".

بالنسبة لمسيح والمحتجين، فإنَّ الكفاح ضد الحجاب الإجباري يتعلَّق باستعادة سيطرة المرأة على جسدها، وليس مسألة تشكيك في شرعية الحجاب نفسه.

انتقلت مسيح علي نجاد إلى بروكلين في نيويورك، خلال العام الماضي، مع زوجها الجديد ، وهو أمريكي من أصل إيراني. وحاليا تجمع في عُلية منزلها قطعا من الماضي والحاضر. تابعت نشاطها في نشر "صور خفية" لشعور النساء دون إظهار وجوههن على صفحة "حريتي المسلوبة".

وتروي مسيح أنه ذات مرة أرسلت امرأة صورتها مع اعتذار مكتوب بجانب الصورة لعدم قدرتها على إظهار وجهها، وعلقت الناشطة الإيرانية على الأمر، قائلة: "المحظورات أسوأ بكثير بالنسبة لهؤلاء اللواتي ينتمين إلى أُسر متشددة".

بعد أسبوع أرسلت المرأة الصورة أخرى تظهر ابتسامتها والرياح تتخلل شعرها. هذه المرة، قالت المرأة إن والدها، وهو من المعجبين السريين لصفحة مسيح علي نجاد على فيسبوك، قد تعرف على صورتها السابقة التي تظهر فيها مخفية الوجه. وكتبت: "الحرية المسلوبة تصبح أكثر متعة عندما تكبرين في عائلة دينية تحترم معتقداتك وتسمح لك باتخاذ قرارك"، مضيفة: "هذه الصورة التقطها لي والدي أثناء تواجدنا على الخليج الفارسي، وحثني على مشاركتها مع نساء بلدي. أنا سعيدة جدًا لأنني حصلت على حرية الاختيار في وطني".

جذبت مثل هذه القصص في النهاية انتباه المتشددين في إيران، الذين ردوا بغضب على الحملة وحاولوا تشويه سمعة مسيح نجاد. حيث وصفوها علانية بالجاسوسة، وبدأ جيش من اللجان الإلكترونية على الإنترنت في إرسال رسائل كراهية يومية للناشطة الإيرانية. حتى أن التلفزيون الإيراني الذي تديره الدولة قدم تقريرًا إخباريًا قصيرًا عنها، مختلقًا قصة مفداها أنه تم اغتصابها في لندن بينما كانت "عارية"، كما اتهموها بإدمان المخدرات. لكن كل ذلك لم يردع مسيح عن استكمال مسيرتها.

في 24 فبراير، سافرت الناشطة الإيرانية إلى سويسرا لقبول جائزة حقوق المرأة في قمة جنيف لحقوق الإنسان والديمقراطية، برعاية 20 منظمة عالمية لحقوق الإنسان. وقالت تمارا دانتشيفا، وهي مسؤولة حقوق الإنسان في منظمة ليبرال إنترناشونال التي تتخذ من لندن مقرا لها، خلال الحفل إن الجائزة منحت لمسيح على نجاد "لأنها أصبحت صوتا لمن لا صوت لهم، وإثارة ضمير الإنسانية لدعم كفاح النساء الإيرانيات من أجل التعليم الأساسي". فيما قال المتحدث باسم نشطاء حقوق الإنسان في إيران، أحمد باتيبي، في مقابلة أن الجائزة أظهرت أن المجتمع الدولي قد سمع أصوات النساء الإيرانيات، مضيفا: "لقد ادعى العديد من النشطاء أن إلزامية الحجاب ليست من أولويات حقوق الإنسان، لكن التأييد الساحق لـ"حريتي المسلوبة" أظهرت أنه يمثل أولوية بالنسبة للكثيرين داخل إيران".

في مارس الماضي، توجت مسيح، للسفارة الباكستانية في واشنطن حيث يوجد قسم المصالح الإيرانية لتقدم شكوى ضد قوات "الباسيج" شبه العسكرية لتهديدها بالقتل، ولكنها فوجئت باستدعاء مسؤول المكتب الإيراني للخدمة السرية الأمريكية، لمجرد رؤيتها بدون حجاب، على الرغم من تواجدها في قلب العاصمة الأمريكية، ما دفعها لمغادرة السفارة قبل وصول عملاء الخدمة.

وأكدت مسيح أن معلمي المدراس الثانوية في إيران يحذرون باستمرار الفتيات من المشاركة في حملتها، ومع ذلك بمجرد إنهاء المعلم لدرسه ويغيب عن الأنظار، تخلع العديد من الفتيات الحجاب.

وبترويج حملتها لـ 2.5 مليون متابع لحساباتها على مواقع التواصل الإجتماعي، أشارت الناشطة مسيح إلى تفوق عدد متابعيها على مجموع عدد متابعي حسابات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي والرئيس الإيراني حسن روحاني.

وتقدم الناشطة مسيح علي نجاد حاليًا برنامجًا على إذاعة "صوت أمريكا" في نسختها بالفارسية، كما نشرت كتاب "الرياح في شعري" الذي تروي فيه تجربتها مع الحجاب.

التعليقات