وليد الأسطل يكتب: دعونا نتكلّم عن الكبار (ماريو بارجاس يوسا)

 

في سنة 1982 نشر الرّوائي البيروفي الكبير(ماريو بارجاس يوسا، نوبل 2010) روايته (حرب نهاية العالم)، التي ليست عمله الرّوائيّ الأهمّ، و لكنّني انطلقتُ في حديثي عن هذا الاسم الكبير من خلال روايته هذه، حتّى أشير إلى أمرين، الأوّل، اِستثنائيّة الفضاء الرّوائي بالنّسبة لباقي أعماله، ذلك أنّ أحداث الرّواية لا تجري في البيرو كما عوّدنا في جُلِّ أعماله، و إنّما في البرازيل، حيث كتَبَ عن أحداث واقعيّة جرت هناك في نهاية القرن19، عن ثورة تطالب بالعدل، يقوم بها أحد رجال الدّين في صحراء(نورديستي)، فيمضي جميع الفقراء والخارجين عن القانون و المهمّشين و العاهرات مؤيِّدينَ له. أمّا السّبب الثاني، فهو أنّ (ماريو بارجاس يوسا) الإنسان بقي هو هو لم يتغيّر فيه شيء، بالرّغم

من انتقاله الذي يعتبره البعض فُجائيّاَ من اليمين إلى اليسار في سبعينات القرن الفائت، والّذي لا أراه

 

مفاجئاً البتّة.

لقد تغيّر توجّه(يوسا) الفكري، بعد أن تأثّر بأفكار الأديب و الفيلسوف الفرنسي الشهير(ألبير كامي)، الّذي أقام (يوسا) في بلده فرنسا من 1959 إلى 1966، التي صرّح أنّها كانت سنواتٍ حاسمة في حياته. كما لا يمكننا إغفال المفعول الذي أحدثته فيه شهادات المثقّفين المنشقّين عن الاتحاد السّوفييتي، و أيضاً التأييد السّارتري(سارتر) لأفكار(ماو سيتونج) رغم الجوانب اللّاإنسانيّة في ثورته الثقافية.

 

إنّ انقلاب(يوسا) الفكري على الأفكار اليساريّة الاشتراكية، كان سبباً في حدوث طلاقٍ نهائي بينه وبين كتّابٍ كبار (خوليو كورتاثار، كارلوس فوينتس، وجابرييل جارثيا ماركيز)، خاصّة مع صاحب (مئة عام من العزلة) الّذي كانت تربطه به صداقة وطيدة، ف(يوسا) بدأ يعتبر الزعيم الكوبي الخالد(كاسترو) ديكتاتوراً، وأنّ نظامه من أفظع الدّكتاتوريّات في أمريكا اللّاتينيّة، في حين أنّ الأسماء الأدبيّة الثلاثة التي ذكرتها، كانت داعمةً ل(كاسترو) ونظامه. وإن كان هناك من يقول أنّ سبب العداء الشديد النّاشئ بينهما سببه محاولة (ماركيز) إغواء زوجة أو طليقة (يوسا)، ما حدا بالأخير أن يوجّه له لكمةً كادت تسحق وجهه.

رواية (حفلة التّيس) من أهمّ أعمال (يوسا)، نشرها سنة 2000، تناول فيها وحشيّة وساديّة الديكتاتور (رافائيل تروخيو) الرئيس الّذي حكم الدّومينيكان لأكثر من ثلاثين سنة، المسؤول عن مجزرة (بارسلي)، والّذي أعمته سلطته المطلقة، إلى حدِّ أنّه كان يرى بأحقّيّته في فضّ غشاء بكارة الفتيات. لم يباشر (يوسا) كتابة هذه الرّواية، إلّا بعد أن أقام مدّةً طويلةً في جمهوريّة الدومينيكان.

أريد أن أعود إلى مسألة تغيّر نسق (يوسا) الفكري لأسجّل أمراً في غاية الأهميّة، وهو يتعلّق بأقرب أعماله إلى نفسي، رواية (مايتا)1984، رواية(مايتا) أجمل لوحةٍ تتكلّم عن رِدَّة المثقّف اليساري،

الّتي تدور وقائعها في البيرو بالطّبع، وفي جبال الأنديز بالتحديد. (مايتا) المناضل التروتسكي المتناقض. الرّاوي في الرّواية هو الرّوائي ذاته، المهووس بتقفّي آثار (مايتا) صديق طفولته (أريد أن أكتب شيئاً مستوحىً من حياته، ليس سيرة، وإنّما رواية، قصّة حرّة حول الحقبة والوسط الذي عاش فيه مايتا، والأشياء الّتي جرَت في تلك السّنوات) حيث يجعلنا نعيد معايشة أجواء الإرهاب التي خيّمت على البيرو، بعدما يأخذنا في مغامرةٍ في أدغالها.

 

لِ(ماريو بارجاس يوسا) رواية في غاية الإمتاع (شيطانات الطفلة الخبيثة)، الّتي أشدّ ما شدّني إليها، هو شخصيّة بطلها (ريكاردو سوموكوثيو)، الشاب الرّافض شروط بيئته، المتمرّد على فكرة العيش في بلده بيرو، فينطلق مسافراً بين عواصم الدّنيا، حالماً بالسّعادة و الحبّ. لم أقف على مديحٍ قيل في هذه الرّواية، ولعلّ مَرَدَّ ذلك يكمن في أنّها أعادت طرح فكرة كان قد عالجها(يوسا) إلى جوار التيمة الأساسيّة في روايةٍ سبقتها، ألا وهي رواية (الفردوس على النّاصية الأخرى)، وهي رواية عن اليوتوبيا والفن والجنس بالأساس، يتطرّق فيها إلى حياة الرسّام الفرنسي الشهير (بول جوجان) الّذي ذهب للإقامة في (تاهيتي) ظنّاً منه أنّه سيصل إلى السعادة إذا عاش حياةً بدائيّة وانغمس في كل ما هو حسّي، فينتهي به المطاف أن يُدرِكَ أنّه كان يسعى وراء سراب. ويتناول أيضا(يوسا) في نفس الرّواية جدّة (بول جوجان) (فلورا تريستان)، المناضلة العماليّة المدافعة عن حقوق المرأة.

عندما كان(يوسا) يخوض صراعاً سياسيّاً شرِساً إلى جانب تَجمّع(ليبرتاد) وهو تجمّع ديمقراطي مناوئ للماركسيّة، انتهى به إلى الفشل في الإنتخابات الرّئاسيّة سنة 1990، نشر روايته (مديح زوجة الأب) سنة 1988، تنتمي إلى الأدب الإيروسي، المحتفي بالجسد، إِذْ يتزوّج العجوز (دون ريجوبيرتو) شابّةً صغيرة، ويشربان من لذائذ الجنس حتّى الثّمالة. ثمّ سيضيف لها رواية تُكَمِّلُهَا (دفاتر دون ريجوبيرتو)، تسنّى لي شرف قراءتها الأسبوع الماضي.

هذا نَزْرٌ يَسير عن رجُلٍ كبيرٍ وكَثِير، اسمه (ماريو بارجاس يوسا)، قال ذات يومٍ (أَكتُبُ لأنَّنِي حَزِين).

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

التعليقات