سامح قاسم يكتب: أورسيولا تقودك إلى الموت وحيدا

 

وقف في نوبة من نوبات صحوه القليلة أمام مرآته الرخيصة يحض نفسه على المحاولة.. محاولة البقاء في مواجهة الألم، : " كيف تكون الحياة إذا لم نملك الجرأة على المحاولة؟". 
كل محاولاتك لدرء شبح الوحدة، والهزائم المتوالية، وانكسار الروح، باءت بالفشل أيها الهولندي الهزيل، حظك العسر قادك أيها الرقيق إلى " لاهاي".. إلى " أورسيولا" إذا أردت الدقة، لتتأكد من صحة ما قاله جراهام جرين " في الواقع لا يمكن لإنسان أن يفهم آخر، ولا يمكن لأحد أن يخطط لسعادة آخر." 
لم تجد أيها الوحيد كشجرة من ينصحك " عندما تتعلق بأحد، كن مستعدا دائما لغيابه."، كما لم تلتق يوما بـ"شابلن" ليخبرك" لكي تعيش عليك أن تتقن فن التجاهل باحتراف." لذا يا " جوخ" أصابتك العلل ونوبات الغضب التي فقدت في إحداها أذنك التي طالما استمعت بها بعناية للكلمات الأخيرة للبؤساء والمحتضرين الذين التهمهم "التيفويد" اللعين.
هزائمك أيها المغبون في هذا العالم القميء فاقت هزائم الفلاحين الذين جرحتهم السنابل الذهبية ولم يعرفوا لها طعما ليتأكدوا من أن "شابلن" كان جادا جدا عندما قال "الجوع لا ضمير له."
قلب "أورسيولا" المتيبس دفعك بقسوة للسير في الطرق الضبابية، و لأننا نعرف أن المرء "يتغير لسببين، حين يتعلم أكثر مما يريد، وحين يؤذى أكثر مما يستحق." فإننا نفهم جيدا لماذا اتسعت عيناك أيها النحيف من طول ما نظرت إلى السماء لعلك تعثر على نوافذ الله".
ولأن " عواطفنا مثل نوبات التشنج، تجعلنا أقوياء لفترة ثم تتركنا ضعفاء إلى الأبد" كما قال شكسبير فقد تعكزت على صليب خشبي صغير لتمسح الغبار الكثيف عن الأرواح المرهقة لعمال المناجم ربما تهدأ روحك المتعبة بين هؤلاء الحقيقيين لأنك تعرف جيدا أن "الصامتين قد يملئون الدنيا مرحا، والثرثارين قد يمنحونك الغم بدم بارد."
ملابسك وأغطيتك وألوانك الزاهية التي وهبتها للتعساء لم تشفع ليقبلك هذا العالم الباهت. قلبك المليء بالوجد والأحلام الخضراء لم تثن "أورسيولا" عن رفضها لك .
أتعرف أيها المبشر بالنجوم والسنابل والضمادات الملطخة بالهزائم بأنك الوحيد الذي حقق نبوءة أوفيد " الحب ضرب من الحرب"؟.. الحرب التي بترت فيها أذنك لعلك تنجو من نحيب العالم المستعر بالمحبين والمثاليين.
الحب وحده هو من قادك إلى الجنون والنوم فوق الشراشف المهترئة للمصحات المعتمة، الحب وحده هو من جلب لك نظرات المستهزئين ولعنات الأطفال والعجائز في الشوارع الموحلة.. الحب وحده هو من قادك إلى الانزواء بعيدا لتمنح نفسك الخلاص من كل هذا العبث برصاصة هي الشاهد الوحيد على بشاعة هذا العالم.

 

التعليقات