حمدان فاضل يكتب: مقهى بيكاسو (2)

 

أبي يتجاهل الكثير من الأشياء التي تخصني منذ أن قاربت الموت .. و في الحقيقة لم يعد يصطدم بي منذ أن صرخت في وجهه :

" أنت مهرّب "

------

كل شيء في بلدي مهرب … لا أريد أن يرتبط عفن هذه البلاد و مآسيها بأبي … أبي الذي عوضني عن أمي التي هاجرت لا أريده مهربا .. التهريب هو الطعنة الثانية التي تلقتها الثورة في القلب .. منذ أن وعيت هذه الحقيقة أصبحت علاقتي به متوترة … في السابق لم أكن أهتم بمهنة أبي .. كنت أتباهى دائما بأنه تاجر …

اكتشاف بعض الحقائق صدفة جعلت حياتي تنقلب رأسا على عقب ..

-----

 

في هذه اللحظات أقتنص فرصة لأتأمل وجه بيكاسو ،، نادل يعمل في الفترة المسائية … الجميع هنا يناديه بيكاسو … يستعذب هذا الاسم خاصة من أفواه الفتيات اللاتي لا يأتين إلا مع بداية دوامه .. كأنهن يشاركنني الإعجاب به ..

بيكاسو لطيف و مهذب ،، وهو أحد أسباب الإقبال على المقهى .. أتأمله مليا فلا أجد بينه و بين بيكاسو الحقيقي أي شبه … لم يدفعني الفضول إلى سؤاله عن سر الاسم .. كل ما أعرفه أن ميلا شديدا لهذا النادل جعلني من زبائن المقهى المخلصين …

----

بيكاسو يفعل كل ما يطلبه الزبائن حتى أنه لا يتردد في شرب قهوته مع من يطلب منه ذلك … صاحب المقهى لا ينزعج منه ،، يترك له حرية التصرف ،، ربما يستغل طيبته و أخلاقه العالية لجذب زبائن أكثر …

لم أجرأ يوما على محادثته في أي أمر . فقط أكتفي بسرد طلباتي و يكتفي هو بتلبيتها …ابتسامته لعينة و غامضة ،، أوقعتني ف شراك هواه و أسرتني في قفص الاهتمام بكل تفاصيله … كنت أنتظر أي فرصة ليدور بيننا حديث .. منذ أن تعلقت به خفت حدة عصبيتي و لم أعد متوترة …

آخر مرة فوجئت بالطبيب يطلب مني التوقف عن تناول المهدئات … أحد أسباب هدوئي هذه الفترة وجود الطبيب الذي يشرف على علاجي … كنت ألتزم بتعاليمه كطفلة صغيرة … أتبع كل ما يقوله دون أن أجادله و قد كنت أفعل ذلك كثيرا مع غيره من الأطباء … في الحقيقة الدكتور " غسان " يتعامل معي بلطف لا أعرف سببه أو غايته .. حذرتني إحدى الممرضات من انفعاله … لاحظت هذا الأمر … رأيته أكثر من مرة يخرج غاضبا .. استغربت أن يكون طبيب الجهاز العصبي أكثر الناس انفعالا و توترا … معي تسير الأمور بشكل مختلف جعلني أشك في أمره .. تبادر إلى ذهني أن لأبي ارتباطا بالأمر … لعله أوصاه أن يهتم بي دون أن يفرض علي أمرا …

غسان ذو وسامة ساحرة .. قسمات وجهه مثيرة أيضا … و لكنها لم تكن كافية لأهتم به كثيرا …

 

التعليقات