زهير كريم يكتب: الرجل الذي رأى كلّ شيء

 

في يوليو عام 1979، في ذلك الوقت الذي كان به الناس يستهلكون الكثير من الأحلام، والواقع كان يعرض فعلا اشارات طيبة على خارطة المستقبل، تحدث جارنا ابو حسن مع زوجته بنغمة مأساوية، نطق بتلك الكلمات كما لو أنه أراد أن يعزف آخر مقطوعة له، ثم يخبئ آلته التي لم تعد كما يظن صالحة لتأليف شيء آخر، وحين تحدث في ذلك اليوم الصيفي الساخن، فعل ذلك بايجاز شديد وبغموض، كأن الاسهاب والوضوح في اللغة يفسد الرؤية، بعدها سكت الى الأبد، ولقد قال كل شيء كما يعتقد، وأن ما يقوله بعد ذلك ماهو الا تكرارمزعج.

وفي الحقيقة أن الجميع بما فيهم زوجته المغمورة بالطمأنينة، نعتوه بأنه رجل غريب الأطوار، قالوا أيضا: ان اللغة الغامضة تعاضدت في كلامه مع الخيال الذي لارحمة فيه، وما زاد في النفورمن المقام الذي وضع فيه نفسه، هو توقفه عن سماع وعزف الموسيقى، حيث أن الرجل كافح بالفعل كي ينسج بعض الكلمات التي لايبدو انها تعني شيئا لأحد، كلمات وحسب، فرشها أمام الجميع وهو يعلم جيدا _ وكان ذلك واضحا في عينيه اليائستين _ أنهم لن يهتموا لمثل هذه الهرطقة التي كان من خلالها يحاول اختراق طبقات الغيب الذي لايعلمه الا الله، سخروا منه فلم يبد اعتراضا على سخريتهم محتفظا بصمته وابتسامته الغامضة.

حتى الطبيب الذي استقبله في عيادته، وهو صديق قديم قال له: عليك أن تعود الى آلتك يارجل، الموسيقى تقتل كل شر، وتبطل كل سحر، وتزيح كل غيم كأبة، هل تعاني من أزمة عاطفية ايها العجوز، ألا يمكنك أن تفعلها وتتزوج !! أم أنك تخاف من أم حسن!!. لكن جارنا لم يتكلم، ابتسم بطريقة من غسل يديه من كل أمل، ونسى تماما مرور حتى المصادفة التي يمكنها أن تمنحه فرصة اللقاء بشخص صافي السريرة، شخص لديه بعد نظر، أو حتى شعور ضئيل بالخطر، شخص يرى أبعد من أرنبة أنفه، يقولعلى الأقل: أرى شيئا ما، لاأعرف ماهو، لكنه يبدو شيئا مقلقا.

 

وكان أبو حسن قد قال في ذلك النهار جملته الأخيرة وهو في أعلى درجات الكآبة :أنا أراها كما أرى شمسا ساطعة في منتصف النهار، أشم رائحتها التي سوف تسمم الرئتين، وأسمع صوت الريح التي تحملها، وسوف ترين يا أم حسن بعينك هذه، الفارغة من أيّ فزع، وتسمعين بأذنك هذه، والتي لا تلتقط الاشارات، وتشمّين بأنفك الكبيرهذا، والمشغول براوائح الطبخ، انها عندما تصل، لن ترحل حتى تأكل الأخضر واليابس، الأخضر واليابس يا أم حسن، وربما تلتهم حتى الذي لم ترتفع له ساق أو ينبعث منه عطر.

هكذا قدم رؤيته، لكن زوجته ضحكت على عقله، استنكرت خياله السوداوي الفظيع، قالت: يارجل، لماذا تبدو مهزوما هكذا، ألا تجد في فضائل هذا العيش الرغيد شيئا يسند الضعف الذي يغمر حواسك!!!، الا ترى بعينك مثلا كيف تنمو البلاد كشجرة وارفة الظلّ وثقيلة بثمارها التي سوف يهنأ بها العباد ؟، الا تشعر بهذا الأمان الذي يجعل حتى النملة تسير فلا يدعسها غافل، أو يعبث بمسيرها عابث !!.

والحقيقة أن جارنا يعرف أن كلام زوجته صحيح جدا، لكن بالقدر الذي لايلمس المرء به من الأشياء سوى القشور، وكان عذابه يتركز في أنه عرف مايحدث خلف الحجب، لهذا لم يكن مشغولا بما يجري في الخارج، ومايعرض من علامات طيبة قال: انا معنيّ بالمصائر، بالأولاد الذين سوف تغور السكين في أحلامهم، وبالنساء التي سوف تحترق قلوبهن، وقد اكتفيت برؤية ما سيحدث مثلما رأيته بعين قلبي، أما هذا الذي في الخارج الآن، هو مايصلح فقط ليتفرج عليه العميان، صورة مزيفة وحسب، وهي بالطبع شرط من شروط الغفلة.

ابتسمت زوجته وقالت : ياستار ياربي، من الأفضل أن لا تكررمثل هذا الكلام فيضحك عليك الناس وتفتح عيون الحكومة فتندم ندما عظيما. وكانت الطمأنينة تغمر كيانها، ثم أضافت: لايزعجني أنك تتحدث بالالغاز، فقد تعودت منك مثل هذه الأشياء، غير أني لا أحب هذه النغمة السوداوية يارجل!!!. وكانت عيناه حزينتين عندما سكت، وكان سكوته أبديا لم يكسره حتى حرف واحد، ثم مر شهران، ثلاثة واربعة.

فدخل الناس عامهم الثاني و لم يحدث شيء أيضا، كرروا عليه تأنيبا قاسيا يشبه الادانة التي تتضمن ماينعت به المرء عند الشيخوخة، أو لمصاب بالحمى عندما يخلط بين ظهورشبخ أو زيارة شخص من لحم ودم، قالوا له: ان مارأيته لم يكن سوى أضغاث أحلام. ثم حاولوا أثناء هذه الفترة استنطاقه، أولاده وجيرانه .لكن الرجل أحاط نفسه بالعتمة : قال بعضهم لقد صارأخرس، وهذا مقام من لاينطق. ولم تكن المقامات تعنيه والنعوت، فحال المحيطين بالنسية له، يشبه تماما أولئك الذين يتحدثون عن الحبل ولا يمرون على حكاية الذي شنق به نفسه. صديق له قال عندما سألوه عنه: العتمة هي مجرد حجاب للرجل، لكن الضوء في الداخل.

وكان هذا الكلام غامضا، هذا ما قالوه، غامض حتى اكثر من الصمت الذي أحاط صاحبه به نفسه، زوجته قالت فيما بعد بأنها شكّت في سلامة أعصابه، لكنه كان ينظر اليها كلما التقطت له صورة المجنون أو حاولت أن تضعه في مقام من بلغ مقاما عاليا من التخريف، كان يبتسم، فيطيح من خلال هذه الحركة العجيبة بكل يقين عندها، ويفتت كل فكرة صلدة، حتى أنها بدأت بالفعل تخاف على أولادها حتى شمّت رائحة الحرب أخيرا، وسمعت صوت الريح التي تحملها، بل ورأت النارمن بعيد، وكان خريف ذلك العام قد دخل على الناس، وصلت الحرب في صباح غائم ، وكان الرجل الصامت صامتا، بينما الناس جميعا شهدوا قدومها عند السادسة صباحا، فزوا من غفلتهم ، ثم مر شهر وشهران، وعام وآخر وأعوام بعده، ولم تذهب، فقدوا الأمل وتكيفوا مع اليأس، ثم انها لم تغادر حتى أكلت الأخضر واليابس، ثمان سنوات، أدارت خلالها السكين في خاصرة كل حلم، وتركت كل قلب مثل قطعة من فحم كما قال جارنا أبو حسن، الرجل لذي رأى كل شيء بعين قلبه، عزف آخر لحن له ثم خبأ آلته وسكت الى الأبد، حيث لامعنى لأي كلام او موسيقى عندما تجيء الحرب.

التعليقات