فهمي بلطي يكتب: غدا أمس طويل

 

غدا صباحا سوف أذهب إلى المستشفى و سوف يأتي المرضى لعيادتي , غدا سوف يأتون بالعشرات و سوف يكون أغلبهم مصابين بالرّبو و الروماتيزم و الالتهابات الصدريّة و الأنيميا و الكوليستيرول , غدا لن يكون لي سوى خمس دقائق على أقصى تقدير لفحص كلّ واحد منهم , غدا سيكونون في الغالب عجائز و شيوخا أذهانهم ثقيلة و سمعهم ثقيل و خطواتهم ثقيلة , غدا لن يكون هناك أدوية كافية في المستشفى.

غدا سوف يشده فيّ الكثيرون لأنّ حصولهم على أدوية رخيصة من المستشفى بالمجان سوف يكلّفهم رغم ذلك المثول أمام متعجرف و مغفّل مثلي كثير الأسئلة , كثير الإزعاج و كثير النّصائح , غدا لن يذهب أحد من أجل الفحوص التكميليّة أو العيادات المختصّة في مستشفيات بعيدة تستوجب التنقّل مجدّدا و اقتراض ثمن تذكرة سيارة الأجرة مجدّدا. 

 

غدا لن يقدر أحد على شراء أدوية لا توفّرها المستشفيات العمومية , غدا سوف تبكي امرأتان أو أربعة من شدّة الفقر و الحاجة , غدا لن يهتمّ أيّ مريض للنصائح الطبيّة الوقائيّة أو العلاجيّة لأنّها سوف تكون بالنّسبة إليه مجرّد ثرثرة مزعجة فيما هدفه الرّئيسي هو العودة بالحبوب و الحقن و التّحاميل مقابل الدّرهمين اللذّين اقترضهما كي يأتي من أجل العلاج.

 غدا سوف يأتي المرضى أنفسهم الذّين أتوا في الأسبوع الماضي و قبل الماضي و قبل قبل الماضي من أجل العودة بنفس الحبوب و نفس الحقن و نفس التّحاميل, غدا سوف أتأكّد مرّة أخرى أنّ الدّواء الحقيقي لهؤلاء هو المسكن اللائق و الملبس اللائق و الطّعام اللائق و المعرفة اللاّئقة. 

 

غدا لن أقدر أن أقول لهم هذا رغم ذلك , غدا سوف أفكّر للمرّة المليون في العلاقة الجوهريّة بين الطبّ و السياسة و بين الطبّ و العدالة و بين الطبّ و العمران و بين الطبّ و الفلسفة و بين الطبّ و الغذاء و بين الطبّ و البيئة و بين الطبّ و المعرفة و بين الطبّ و الأدب , غدا سوف أعود للمرّة العشرين لذلك النصّ الطّويل الذّي أحاول أن أكتبه منذ فترة طويلة حول كلّ هذا العذاب الطّويل. 

غدا سوف أرهق سريعا لأنّ كلّ شيء سيتشعّب فجأة و يفيض على أسوار الكلمات مثل كلّ مرّة فأتركه آملا العودة إليه في وقت لاحق لا يأتي أبدا , غدا سوف أكفر عشرة مرّات, ثمانية في صدري و اثنتين على الملإ أمام دهشة الممرضين و العمال و المرضى ... 

غدا هذا الأمس الطّويل الذّي لا ينتهي

 

التعليقات