زهير كريم يكتب: حرب باردة

 



ظهرت علامات الحرب الباردة منذ اللقاء الأول. كان ذلك عندما أشعل سيجارته وهو يتحدث بعاطفة مشتعلة، قالت: ان التدخين سبب رئيسي لأمراض القلب وسرطان الرئة. هبط منسوب العاطفة بسرعة ، لكنه ابتسم ، كما لو انه يحاول معالجة هذا الانهيار المفاجئ . قال بجدية من تلقى للتو معلومة غاية في الأهمية، جملتها التي تشكلت كما خيّل لها ، مثل رغوة ، وكان هو يتابع اتساعها في الفراغ الذي بينهما: أنت على حق، انها بالفعل عادة سيئة، لكن الأمر ليس سهلا. وبهذه الاجابة الغامضة، كان قد حاول في الحقيقة أن يفتح طريقا واسعا للسلام ، يسيران به معا بدون منغصات.

و كانت هي تكرر ذلك كل لقاء، كما لو أن الحرب سوف يتصاعد ايقاعها . بالنسبة له ، كان ماهرا بتنويع الاجابات، في الواقع لم تكن الاجابات كلها تعني سوى شيء واحد، شيء يعبر عن الجدية، و التي تبدو لصديقته كأنها نافذة مفتوجة دائما على مشهد بدون دخان .

وكانت المرأة بعد الخطوبة، قد أضافت لذخيرتها الحربية، جملة مؤثرة كما تعتقد، قالت : ان التدخين سبب لتسوس الأسنان. لم يبتسم هذه المرة، بالنسبة لها شعرت أنها اصابته فعلا ، وبالنسبة له ، خاف ان تظهر آثار حقيقية لهذه الأصابة في عيني خطيبته، اهتزت ثقته بسلامة أسنانه، لكنه قال كمن يحاول النهوض من ضربة مفاجئة : انه لأمر شنيع بالطبع، ولابدّ من قرار حقيقي يمنع الوصول الى حالة مقززة مثل تسوس الاسنان، ينبغي أن أخفف عدد السجائر على الأقل، أنت على حق .

ثم أضافت بعد الزواج جملة أخرى اكثر تأثيرا ، قالت: ان هذا الشيء المروع الذي تدخله الى رئتيك، يجعل في الحقيقة رائحة الفم غير محبوبة اطلاقا، بل انها غير محتملة. قالت ل ذلك بشعور سيء، ومشبع بالجدية والتصميم ، وكررته كل يوم بعاطفة مضطربة ، وكان هو يقول: نعم، لابد من طريقة للتخلص من هذه العادة، هناك علكة جيدة سوف اشتريها، لقد جربها الكثيرون، يقولون انها رائعة بالفعل وتقضي بالفعل على الرائحة.

وعلى مدى اربعين عاما، كانت اللعبة مسلية جدا، هي تقول: عليك ان تقطع التدخين نهائيا يارجل ، لم أعد أحتمل ، وهو يقول نعم، لابد من ذلك، لقد اصبح الأمر مزعجا ومؤذيا بالفعل ياعزيزتي .

وهكذا استمرت الزوجة التي لم تنفذ ذخيرتها ،بتوجيه ضرباتها اليومية التي تهدف لترك التدخين، واستمر زوجها بصد الضربات بمهارة وخبرة تحسده عليها ، وكان يتقدم أثناء ذلك تأكيداته الجادة للبحث عن افضل طريقة للتخلص من هذه العادة السيئة .وغي النهاية ، لا الزوجة تخلت عن ايمانها بضرورة الانتصار بالحرب ولا الزوج ترك عادته واستسلم او ترنح لكثرة الاصابات ، رغم ذلك لم يتغير خلال اربعين عاما من العيش المشترك، أي شيء .

اللوحة : بول سيزان عام 1893

 

التعليقات