حمدي البطران يكتب: صراع الحياة في رواية النجوم تغضب أحيانا

 

تجبرنا روايات الكاتب الصحراوي سعيد رفيع، علي العيش معه في تلك المنطقة التي اختارها لنا ليحدثنا عنها، ونجد أنفسنا منغمسين معه في مفردات الحياة في تلك الصحراء القاسية ، مع أشخاص يتمتعوا يحس إنساني راقي ، ونشعر معه أن الحياة وضعتهم علي هامشها ، فلا هي جعلتهم يعيشون في مدينة أو قرية علي النيل حيث الرخاء والثبات والخضرة ، ولا ايضا جعلت حياتهم في الصحراء ناعمة وسهلة، ولكنها أجبرتهم علي العيش في الوديان بين الجبال وفي قمم الصخور في حالة صراع مستمر .

ومما لا شك فيه أن رواية الصحراء تندرج ضمن السرد الواقعي ، الذي ينتمي الي الطبيعة بمعالمها ومظاهرها ومحاكاتها، في مقابل السرد المتخيل أي القائم على ألاعيب الخيال والحيل السردية والفنية التي يقوم بها الكاتب .

سرد الصحراء . كسرد واقعي له مقومات وأركان ؛ فعكس بقية انواع السرد الأخري تتسم رواية الصحراء بواقعة الحقيقي من خلال المعايشة الفعلية لفضائها ومظاهرها الثقافية وثقافتها ومن أحداث ووقائع ومغامرات عاشها الكاتب قبل كتابتها وتضمينها بشكل من الأشكال في عمله . لذلك كثيراً ما يكتب بعض رواد السرد الصحراوي تجاربهم في هذا النمط في أعقاب رحلة عايش فيها تلك الطبيعة ومر فيها بتجربة ما، كما فعل موسي صبري في فساد الأمكنة . واشرف الخمايسي في روايته الرائعة منافي الرب .

في روايته السابقة شتاء حار ، كتب سعيد رفيع بإخلاص وتفرد عن  تلك الحياة التي تعيشها قبيلته ، واستكمل منظومة سرده الجميل بتلك الرواية " النجوم تغضب أحيانا " لتكتمل عندنا طبيعة تلك الحياة التي يحياها بعض المصريين ، ممن إختاروا طواعية هذا النظام القاسي من الحياه خارج دائرة الجهمنية .

عندما تقرا لسعيد رفيع تنسي الحضارة ومفرداتها ، فلا تجد كلمات من عينة تليفزيون .تليفون .سينما .صحيفة . برناج.مطعم . دورة مياة . مطبخ حديقة .أو حتي مدرسة. وتعيش مع مفردات من .نوع خاص مثل الوادي ، جبال القطار والقالق والشايب ،الماعز،  الصحراء ، الآبار ،الإبل ، الأغنام ، العربان . البارودة ، الرعد . الرياح .البرق ، النجوم .. وهي الألفاظ التي تتكرر دائما في الرواية لنعيش في جوها الرحب والفسيح ، بعيد عن تعقيدات الحضارة والمساكن الضيقة والكتل الإسمنتيه ، ونشعر بنوع من التحرر .

المكان عند سعيد رفيع يتمتع بخصائص فريدة ، كالاتساع الهائل لمدى الرؤية ،وجماليات التدفق الضوئي ،والبعد البصري والقدرة الخاصة على الجمع بين الحركة والسكون . هو نفس المكان الذي شهد انبثاق الحضارة العربية والشعر وكل منجزاتنا اللغوية التي نعيش عليها اليوم في أدبناالعربي ، والذي مهما حاولنا التبرؤ منه ، فهو ينتمي بكامله الي الأدب الصحراوي .

صحراء سعيد رفيع تختلف بلا شك عن الصحراء بمعناها القاسي والمتجبر في الجزيرة العربية أو الصحراء الكبري في المغرب العربي بطقوسها الغريبة ، إنها صحراء لها طابع مصري أصيل نستشعره نحن المصريون .

كثيرون كتبوا عن الصحراء بوجه عام ، منهم عبد الرحمن منيف الذي كتب عن صحراء الجزيرة العربية ، والليبيان ابراهيم الكوني ، والدكتورة فاطمة سالم الحاجي كتبا عن الصحراء الليبية ، اما عن الصحراء المصرية ، فكتب عنها صبري موسي في فساد الأمكنة ، وجمال الغيطاني في الزويل ، وبهاء طاهر في شرقي النخيل ، ولكن لكل من هؤلاء صحراءه التي تخصه لوحده ، صحراء سعيد رفيع ، في حالة صراع مع الطبيعة وقسوتها وتأثير ذلك علي سكانها .

الصراع يهيمن علي كل مكونات الرواية ، وهو الحدث الرئيسي في بنيانها . فهناك الصراع المعنوي بمعني النضال ضد قوي الشر. وقوي الطبيعة كالرياح والأمطار وقوة تدفق الرمال التي قتلت عودان إبن شيخ القبيلة ، وصراع مع الهوام كالثعابين والطريشة التي قتلت الشيخ سعيد ، وحيوانتها كالذئاب التي تهاجم الماعز والأغنام .

وصراع واقعي ملموس بمعني النزاع ،فهناك صراع بين قبيلة المراشدة والقبائل المجاورة ، وصراع بين المراشدة وسراق الأبل ، وصراع بين أفراد القبيلة أنفسهم في تنافسهم علي الرعي أو علي النفوذ .

غير أن الصراع مع سراق الأبل ، يكاد يكون الحدث الرئيس الذي تمتد خلال أحداث الرواية . تحكي الرواية عن تسللهم نهارا لسرقة الإبل المعروفة والتي وضعت عليها علامات تثبت ملكيتها للقبيلة وشيخها ، كلوحات السيارات في الحضر ، وتقاوم القبيلة سراق الأبل من خلال تقنيات اكتسبتها بالتجربة الطويلة خلال الاف السنين في الصحراء ، فيما يعرف بقص الأثر أو أقتفاء الأثر ، وقد أصبح إقتفاء الأثر علم تاخذ به الجيوش الحديثة ، وتستخدمة القبيلة في معرفة خط سير النوق المسروقة وتتبعها ..

وخلال صراع القبيلة  مع الطبيعة ، ظهرت قدراتها في محاولاتها للتنبؤ بالجو وتقلباته الحادة ، بان قامت برصد النجوم ومنها الأحيمر . وهو نجم صغير يظهر للعيان من الجنوب الشرقي مع بداية غروب الشمس ويغلب عليه اللون الأحمر مع بريق ملفت للنظر ، ولا يبرح موقعه في الجنوب الشرقي الا نادرا ، إذ يحدث أحيانا أن يغادر الأحيمر موقعه المعتاد في الجنوب الشرقي ليظهر في الشمال الغربي ، وفي هذة الحالة يكون الأحيمر أكثر حمرة واكثر بريقا من المعتاد ، ويحدث هذا عادة فيالخريف قبل أن يشتد البرد في شهر نوفمبر علي الأغلب ’ وفي هذا التوقيت يحرص البدو علي استطلاع الأحيمر ، للتأكد من أنه لا يزال في موقعه في الجنوب الشرقي ، ولم يبرحه الي الشمال الغربي ، ولا يفعل البدو هذا من قبيل الفضول ، بل إتقاء شرر ، فالأحيمر عندما يبرح مكانه ، ويكتسي بلون شديد الحمرة ، ويشع بريقه في الآفاق يعني أنه غاضب ، وهو لابد أن يعبر عن غضبه ، ولا يتاخر تعبيره عن الغضب كثيرا ، بل يأتي ذلك في صباح اليوم التالي مباشرة ، وفي ساعات الضحي ، إذا تثور رياح فوضوية تاتي من الشمال عادة ، ثم تغير إتجاهها لتاتي من الجنوب أو من الغرب . وينفس الأحيمر عن غضبه ويضرب ضربته وتثور رياح محملة بالرمال الدقيقة ، التي تدور بها في شكل دوائر تحجب ضوء الشمس ، وتجبر السناء علي تغيير لونها من الأزرق الي الأصفر ، وتنعدم الرؤية أبعد من ثلاثة أمتار ، وحينئذ يتوع السيارة في الصحراء ، وتضل الأبل والدواب ، ويهرع السيارة الي البحث عن مغارة يختئون فيها حتي العصر ،حين تنتهي ضربة الأحيمر ، فتهدأ الرياح ’ وتتخفف من حمولتها من الرمال ، وتعود السماء زرقاء صافية كعادتها . إنه الصراع مع الطبيعة التي تقابلة القبيلة بمحاولة استكشاف نواياها مسبقا،.

ومن محاولات التغلب علي الطبيعة أيضا ، رصد الكركي ، التي تظهر في الخريف ،فمجرد ظهورها يعتبر خبر سار تتناقله القبيلة ، لأان ظهرها ينبئ بسقوط غزير للأمطار ، تنبت في أعقابه تربة الوادي بالنباتات والحشائش التي تشكل مراعي خصبة للحيوانات ، وهو أعتقاد راسخ لدي البدو أكدته التجربة خلال عشرات السنين .

الأشخاص عند سعيد رفيه عبارة عن مجموعة من البشر يعيشون في ترحال من مكان لأخر بحثا عن الماء والمرعي لجمالهم واغنامهم ، ويعيشون في خيانهم المصنوعة من جلد وشعر حيواناتهم وهو شديدو الإعتزاز بكرامتهم ،

الشيخ حمد مؤسس قبيلة المراشدة والذي أقنع أهل قبيلته بأن تنضم معا لتعيش في المكان الذ ي اختاره لها، ونجح بفضل شخصيته القوية تجميع المراشدة في هذا المكان ، ونتتبع قبيلة المراشدة في الرواية من لحظة تجمعها ، بقيادة الشيخ حمد ، ثم أبنه الشيخ سعيد ، إبنه عودان والذي ساهم بطيشه ونزقة في تشتت القبيلة مرة أخري . ويعتمدون عليانفسهم دائما ..

أم نفيع السيدة الخارقة التي مات عنها زوجها فتنضم الي قبيلة المراشدة . بعد ان قتل سراق الأبل إبنها وولدها ، بسبب أمتهانهم لمهنة قص الأثر ، وناها تعلمت منه حرفة قص الأثر . فطلب الشخ حمد تامينها وحمايتها ، وفي مرحلة تالية قدمت ام نفيع خدماتها للقبيلة ، فكشفت عن بئر للمياه العزبة . كما قادت رجالهم لمعرفة خط سير ناقة سرقها سراق الإبل .

صاغ سعيد رفيع روايته في هيئة مكونات سردية تحت عناوين مستقلة ، كل موضوع  مخصص لحدث او لشخصية أو مكان ، ، فنكون إزاء جزيئات تلتحم معا لتشكل عالما روائيا محكما خالصا ، عبارة عن بنيان الرواية الكلي ، وقد أجاد سعيد رفيع التعبير بتلك الخاصية في السرد ، من خلال ضمير الغائب ، العليم بكل شئ ، والمتمكن من قدرته علي الحكيبإقتدرا عن كل جزئ من تلك الجزئبات يصف شق ضروري .

الروايةرائعة ومشوقة لغتها السردية راقية ، الجمل قصيرة تتناسب مع الحياة البسيطة الصحراوية ، واكسبت السرد نوع جميل من متعة الحكي .

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]


 
 
التعليقات