زهير كريم يكتب: الزوجة الدمية

 
هبط السيد روبريت من شقته، تفحص صندوق الرسائل، ولم يكن ثمة مايحمل أية أهمية :لاشيء أيضا. قالها بنبرة حزينة كما لو أنه تفاجأ بهذا اللاشيء. والحقيقة ان لاشيء دائما، رغم ذلك هو متمسك بهذه الحركة اليومية ، فقط ليجعل للنهار مغزى، وليشحن امسياته الباردة ببعض الاثارة.
 
وعلى كل حال، سحب فاتورة الكهرباء الشهرية، ثم ورقة لا قيمة لها حول عرض من البنك لتقديم قرض بفوائد أقل : وماذا يفعل رجل وحيد في الثامنة والستين بالقروض. ردد مع نفسه كما لو أنه يعلن هزيمته المبكرة، ثم وجد منشورا دعائيّ لأحدى الشركات ، شيء سخيف يروج لروبوت حسب الطلب: روبوت: لاشيء أيضا !! أعادها بنفس الاسلوب الجاد الذي ينطق به هذه الجملة القصيرة المعبرّة ، جملته الصباحية التي تعني كذلك، أن شيئا ما سيحدث في اليوم التالي، أشياء تجيء كما يظن نتيجة لتوافقات غامضة او ربما بسبب العبث الذي هو القانون الذي يتماشى كثيرا مع فكرة الوجود.
 
وكانت لغة المنشور الذي تفحصه وهو يعود الى شقته فيها عنجهية واضحة، إذ انهم يؤكدون على صناعة نسخة طبق الأصل من الناس الراحلين الذي نحبهم : لاشي ، قالها مرة اخرى ورمى المنشور على الطاولة.
 
وفي الحقيقة أن السيد روبيرت كان يشتاق كثيرا لزوجته المتوفية، ليس لها بالضبط ، لكن للأمسيات اللطيفة التي كانت تستدعي فيها رفيقاتها، النساء الرائعات اللواتي كن على حواف الشيخوخة، رغم ذلك كن يملأن المنزل بالمسرات.
 
وكان قد انبعث في تلك الليلة من مكان ما في داخلة، شيء غير واضح ، رفع المنشور الترويجي الملقى على الطاولة، ثم وجد العجوز روبيرت عيناه وهما يركزان على فقرة : اننا نقدم لكم نسخة طبق الاصل من احبابكم الغائبين. الجميل في النص المرافق للمنشو، انهم لم يتطرقوا لمفردة الموت، استبدلوها بالغياب، كما لو انهم جهة انسانية تقوم بواجبها لمساعدة الغائبين على العودة الى ذويهم. ثم قرأ بحماسة أكبرالفقرة التي توضح أن هذه النسخة هي أكثر تطورا من أية نسخة أخرى في العالم، انها نسخة مستقبلية، واقعية على النحو الذي لايمكن للغريب أن يفرق بينها وبين نسختها الآدمية.
 
والحقيقة أنه لم يطمئن يوما مثل هذه الدعوات المريبة التي تحمل قدرا جيدا من السخرية، ولكن ليس أسهل على الوحيدين من اعتناق رؤى غريبة، أشياء يصنفونها بشكل او بآخر على انها تجليات، ويجب التعامل معها باحترام لأن السخرية هي طريقة تعسفية تعامل بها فكرة أن الحقائق نسبية على الدوام، وأن العالم مليء بالأشياء المسلية المفاجئة، مسلية بنفس القدر الذي يحمل فيه هذا العالم الكوارث، ومنها بالطبع فقد زوجة كانت تستدعي صديقاتها الثرثارات ليملأن البيت بالحنان .
 
وكان السيد روبيرت رجلا قد أحيل على التقاعد منذ سنوات، يعيش لوحده بعد وفات زوجته اليزابيث. في الواقع أنه يشعر بالوحدة فعلا بعد أربعين عاما من الحياة المشتركة، انها حياة طويلة، ولم يحدث أن حالفهما الحظ خلالها بانجاب أطفال، وعلى الارجح أن ثمة مشكلة لم يحصل أن وضع الطب يده على حل لها، وعلى كل حال، جرّب الزوجان كل الحيل الممكنة، في النهاية قررا أن يعيشا هكذا بدون متاعب رعاية كائنات أخرى، والتي يمكن أن يحدثها تبني طفل مثلا.
 
و لم يكن كذلك للسيد روبيرت اصدقاء، كان يتواصل مع زملاءه الذين تقاعدوا أيضا ، هذا الشيء كان يحدث منذ سنوات ، الآن لاشيء من هذه المسرات البسيطة. التلفزيون أيضا ليس كافيا لملأ الفراغ، خاصة وأن البرامج كلها غير مسلية، بل وسخيفة على الاغلب، وايضا عيناه وبسبب العمر لا تساعدانه على القراءة.
 
وفيما مضى، عندما كانت اليزابيت تستدعي صديقاتها، لم يكن روبيرت يشارك النساء تلك الجلسات، بل يكتفي فقط بالدقائق الخمس الاولى، بمعنى القيام بتطبيق معايير اللياقة في استقبال الضيوف، ثم ينسحب ليقضي الوقت في غرفة المكتب الذي يترك بابه مواربا قليلا، يفتح كتابا، أويستمع لبعض الموسيقى الخافتة، وهذا مايعرفه الجميع، لكنه في الواقع هو لايقرأ، ولايستمع للموسيقى ، كانت هذه ذريعة وحسب، وما كان يهمه هو الحيوية التي تمنحها هذه اللقاءات للمنزل، كما انها تمنح زوجته فرصة للحصول عن الاخبار الجديدة، اخبار سوف تعيدها عليه نهار اليوم التالي، تزيد عليها قليلال، تملّحها وتتبلها، وتختلق أشياء اخرى.
 
وفي مساء ذلك اليوم، دفعته التوافقات الغربية مرة اخرى ليتمسك بقوة بالفقرات البليغة التي كتب بها المنشو، قرأه بطريقة جادة تعبرعن اهتمامه الفعلي بالعرض، فكر لفترة وجيزة ثم ابتسم كما يبتسم المرء لحالة كشف، أو بسبب الومضة الذهنية التي تقوده لحل اللغز الذي كان محيّرا منذ زمن طويل.
 
وفي صباح اليوم التالي، اتصل بالشركة المصنعة للروبوتات، أعلن لهم عن رغبته بالحصول على نسخة من زوجته، قدم لهم المعلومات كاملة عن كل شيء من خلال موقعهم الالكتروني، ملأ الحقول التي تهتم بالمواصفات التي يرغب باضافتها لزوجته، وبعض الأشياء التي تتعلق باسرار خاصة، يعتقد صاحب الطلب انها مهمة للحصول على واقعية شديدة مع النسخة.
 
ثم وقّع في اليوم التالي العقد، انتظر لعدة ايام كانت صعبة مليئة بالترقب، وكما يحصل عند طباعة كتاب، حيث يقوم الناشر بعرض نسخة ماقبل الطبع على الكاتب لمراجعتها، ارسلت الشركة نسخة ثلاثية الابعاد له على ايميله الالكتروني، في الحقيقة كانت شيئا فظيعا، هكذا عبّرعن دهشته أمام شيء لاذع الجمال كهذا، شيء خرافي جعل قلبه يدقّ، وفي تلك اللحظات، لم تعد فكرة الموت صارمة الى هذا الحد الوضيع، المخزيّ والموحش والغامض, راجع العلومات التي سوف يغذون بها رأس الروبوت، وأكد على الاهتمام بالجزء المتعلق باللقاءات مع الصديقات، وترك الضحكة تأخذ مداها، حرة بدون ضبط، وأكد في ملاحظاته أن لايمنعوا زوجته الافتراضية من اطلاق البذاءات ،الشتائم ،الغناء والعراك أيضا ، ثم وافق السيد روبريت، وحددوا له موعدا لاستلام زوجته من المصنع.
 
وفي اليوم الذي اوصلوا به زوجته الى الدار، جلست في الصالة، وكان قد استعد خلال النهار لأقامة احتفال مسائيّ صغير، دعى فيه صديقاتها المتقاعدات، وضع الموسيقى، وأحضر مائدة صغيرة من عشاء خاص وبعض الشراب، كان كل شيء يسير بشكل جيد، نهض ودخل غرفة المكتب عند اكنمال النصاب بعدما رحّب بالضيوف، وكان سعيد حقا وهو يسمع ضحكات النساء خلفه ، وعندما دخل غرفة المكتب، كانت زوجته هي الاكثر نشاطا، صوتها كان هو الاعلى والاكثر نقاء، والأجمل من ذلك كله، ان صديقاتها تعودن عليها بسرعة ، تفاعلن كثيرا مع نسختها الجديدة ، ثم اقترحت السيدة فرانسواز، السيدة الاكبر سنا، قالت: يمكننا أن نحافظ على هذا التجمع الرائع الحميمي ّ الى الأبد. لمعت بعيون الاخريات نجوم كثيرة، ثم اضافت : سوف نعوّض كل واحدة منا عندما تموت، بنسخة مثل هذه . وكان روبيرت يطير من الفرح ، وهو يردد: يالهي كم هي رائعة زوجتي، وكم هو عظيم هذا الاقتراح، أن يستبدل الموتى بالنسخ الافتراضية.
 
التعليقات