محسن البلاسي يكتب: الجهل في استخدام مصطلح الميكافيلية

 

جرت العادة على استخدام مصطلح الميكافيلية في القرن العشرين والواحد والعشرين كتعبير عن الانتهازية والنفاق والشر السياسي وهذا  هو منتهى التخلف والجهل.
إن طرح  ميكافيللي هو ابن عصره فقط لا غير حيث كانت الأراضي الإيطالية خاضعة لاحتلال أجنبي من الدول الجنينية وراء جبال الألب وهناك تم إنشاء أسر حاكمة وحدت آلات عسكرية وبيروقراطية تعوق تنمية موارد المدن والإمارات الإيطالية المفككة والمشرذمة.

ومنذ نهاية القرن الخامس عشر، تحولت هذه الدول أو الدويلات إلى جحافل تغير بشراسة على الإمارات الإيطالية الخالية من أي وسيلة للدفاع حيث كانت تلك الأسر الثرية التي تغتصب الإمارات الإيطالية تحميها فرق من المرتزقة العسكريين. وكان ميكافيللي في ذلك الوقت يحمل الفكر الجمهوري التقدمي في عصره  ورأى أن الحل الوحيد لمقاومة هذا الاستعباد للإمارات الإيطالية المفككة هو تكوين مملكة إيطالية مركزية قادرة على الدفاع عن شعبها المفكك تعادل الممالك القائمة في فرنسا وتيودور وهابسبرج في هذا الوقت ، وإذا لم يحدث ذلك فسوف تنتهي إيطاليا إلى مجموعة من المقاطعات الضعيفة والمضمحلة والمحتلة ولسوف تستعبد شعوب تلك المقاطعات.

لذلك فلقد كان مضطرا لأن يستعين في كتابه (الأمير ) بمهنة الإبن غير الشرعي للبابا سيزار بورجيا كمثال سوف يلهم على نحو أشبه بالمعجزة بعض الأمراء الآخرين للقيام بهذه المهمة وهي توحيد إيطاليا ،لكن وقتها  كان الوقت قد فات وأصبحت الإقطاعيات الإيطالية التي يمكنها أن تفعل ذلك مشرزمة ومستعدة للسقوط ولقد استغرق هذا التحول والسقوط ثلاثة قرون.

كان التخلف السياسي يسكن إيطاليا طول هذه المدة، وهذا ما يؤكد أن ميكافيلي لم يكن يسعى لترسيخ النظام الإقطاعي لكنه سعى من خلال الممكن الذي فرضه عليه ظرفه التاريخي والجغرافي إلى الخروج من وضع التخلف السياسي والشرذمة الجيوسياسية والبحث عن بدائل بأي وسيلة  حتى يحدث أي تقدم اجتماعي  ويتم الخروج من هذا الوضع والشكل التاريخي بصورة مرحلية ، ولم يكن ما طرحه ميكيافيللي.

 

ما يحدث من خلط لمفهوم طرح ميكيافيللي خارج نطاق زمنه هو منتهى الجهل والتضليل والتسطيح لظرف تاريخي له طبيعته الخاصة ، لقد كان ميكيافيللي يسعى للحد الأدنى من طرح الفرص للخروج من هذه الأزمة التاريخية ولم يكن يبحث عن معجزة التحول الجذري أو القفز فوق التاريخ ، إنه طرح وسائل قد تكون ممكنة حول تأسيس إيطاليا المدينة _ الدولة  ولم يحدث هذا التطور السياسي الذي دعى إليه ميكيافيللي إلى أن حدث هذا التجديد الإيطالي بعد الثورة الفرنسية وتبلور المفهوم القومي بشكله الحديث وصولا إلى أزمة وتطرف المفهوم القومي بعد الحرب العالمية الأولى حد الوصول إلى الفاشية والنازية ، وبالطبع ليس من الصحيح تاريخيا لصق هذا التطور في مفهوم القومية بمصطلح الميكافيلية ، أو حتى بالقومية التي كان يسعى ميكافيللي إلى أن يلوذ بها من تشرزم المقاطعات الإيطالية الصغيرة ، ولقد كانت النصائح المطروحة في كتاب الأمير ليست أكثر من نصائح موجهة لإيجاد بديل واقعي علىالأرض يخص الوضع السياسي في اواخر القرن الخامس عشر ومرورا بنوعية نظم الحكم في القرن السابع عشر ايضا دون أن يتعدى هذا الظرف التاريخي ، حتى أيدلوجية ميكيافيللي الجمهورية كانت بدائية ولم تتعدى ظرفها التاريخي فيما قبل المفاهيم الجمهورية إبان الثورة الفرنسية ولو نظرنا لأداء ميكيافللي السياسي فيما تقلده من مناصب بعد ذلك في جمهورية فلورنسا فسنجد أداء سياسي ينم عن دافع لاحتواء المواقف والخروج بنتائج قدر المستطاع مفيدة لشعب فلورنسا في هذا الظرف التاريخي حيث سعى دائما إلى الصاق الطرح السياسي بالواقع على الأرض وظروفه في هذا الزمن وهذا المكان ، ولقد امتلك ميكيافيلي الارادة في البحث المعرفي طبقا لمقتضيات عصره مما جعل محاكم التفتيش في هذا العصر الظلامي تقدم على حرق مؤلفاته ، فلم يفعل ميكافيللي شئ سوى انه بحث في طبيعة السلطات القائمة وتناقضاتها  في هذا الوقت وسبل الانقلاب عليها ونزع السلطة منها حتى لو تم استخدام سبل تستمد هذه السلطات قوتها منها  ،حتى التناقضات التي وضحت في طرح ميكيافيلي في كتابه الامير ونصائحه فتارة يطلب من الحاكم توسيع افقه وأن يقترب من الشعب ويفهمه ويتوافق معه وتارة يطالبه باستخدام القوة والإبقاء على منظومة القوانين في المقاطعات التي تنتزع منها السلطة وهذه التناقضات أيضا هي أبنة ظرفها التاريخي التي لا نستطيع أن ننتزعها من سياقه ، والتي تؤكد أنه لم يكن يهم ميكيافيللي اي شئ سوى الدعوة لخلق أنظمة سياسية تتجه نحو توحيد إيطاليا وتنميتها في وجه الغرباء والعابثين وتغذية ثورة ثقافية تهتم بالفنون والآداب والمتميزين فيها وحث المبدعين على الإبداع ،

وليس هدف هذا المقال هو تبرير طرح ميكيافيلي أو وصفه بالتقدمية أو الرجعية في هذا الظرف التاريخي الحساس  لكن توضيح انه من الخطأ اللفظي وصف انتهازية ونفاق ولا أخلاقية بعض الاداءات السياسية في القرن العشرين والواحد والعشرين بالميكيافيلية

 

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

 
التعليقات