وليد الأسطل يكتب: حَدَثَ ذاتَ صباحٍ خَرِيفِيّ

 
يُضِيءُ لِيَ النّورُ أشياءً،
 
وَ يُطْفِئُ أُخرَى كانَ قد أضاءَهَا لِيَ الظّلام.
 
ما أَجملَ مَشهَدَ النُّور، و هوَ يَقِفُ على شَفِيرِ الظّلام،
 
أو حِينَ يَشرَعُ في التَّفَتُّحِ مُدَاعِباً وَجْهَ الصَّباحْ؛
 
فَيَصْحُو الصّباحُ مُتَوَرِّداً خَجَلاً..
 
مُتَرَدِّداً كَأَوَّلِ اِعترافٍ بِالحُبّ،
 
و يَسِيرُ إلى مَجْلِسِهِ مُتَعَثِّراً كَنَظَرَاتٍ عاشِقَةٍ
 
يَخْشى عليها صاحِبُهَا الإِفتِضَاحْ.
 
يَفْتِنُنِي المَشهَدُ؛ فَأَتَزَلَّجُ عَلَيْهِ بِبَصَرِي
 
مُحاوِلاً التَّمَتُّعَ بِمَفَاتِنِه، مِثلَ خَرِيفٍ ماجِنٍ يُدَاعِبُ جَسَدَ البَرِّيَّةِ؛
 
فَيَلِينُ لَهُ تَوَحُّشُهَا.. تَنْزَعُ عَنْهَا ثَوْبَهَا، حِينَ يُثِيرُ شَهْوَتَهَا،
 
ثُمَّ يَتَوَلَّى عَنهَا حَزِيناً حِينَ يَكْتَشِفُ أَنَّهُ عِنِّين.
 
الذِّكرَيَاتُ بَقَايا الأَمس المُتَرَسِّبَة في قَاعِ الرُّوح..
 
تَمُوجُ مِنْ حِينٍ إلى حِين؛ فَتَجْعَلُ القَلبَ بَحْراً تُهَيِّجُهُ صُوَرٌ،
 
وَ تُهَدِّئُهُ صُوَرْ.
 
أَتَحَسَّسُ جِهَةَ قَلْبِي خائفاً.. يا حُبّ لَا يُوجَدُ في صَدرِي ما تَبْحَثُ عَنْه.
 
يُغَازِلُنِي البُكاءُ فَأَصُدُّهْ.. يَتْبَعُنِي إلى البَيْت،
 
و يُلْقِي بِنَفْسِهِ على شَعْرٍ يَرْقُدُ على مِشْطِ مَنْ رَحَلَت؛ فَأُغْرَمُ بِه..
 
أَحْضُنُهُ وَ يَحْضُنُنِي.. يَقُولُ لِي: طِبْ خاطِراً؛ فَلَيْسَ الحُبُّ أَحَنَّ عَلَيْكَ مِنِّي.
 
أقسى الهزائم هي الهزائِمُ في الحُبّ.. تَشعُرُ بَعْدَهَا بِالضَّياع..
 
كأنَّ الحُبَّ مَنْ كان يَعُولُك!
 
أَيُّ حَظٍّ عاثِرٍ هذا؟! غُرْبَةٌ.. وِحدَةٌ، و هزيمَةٌ في الحُبّ!
 
كيف سَتَتَحَمَّلُ كلَّ هذا أيّها الشاعر؟!
 
تُسْعِفُنِي قرِيحَتي: هذا مَوسِمُ هجرَةِ الحُبّ.. سَيَرْجِعُ في مَوْسِمٍ آخَر..
 
الحُبُّ رَاعٍ يُرَبِّي للحياةِ أبناءَها مُقابِلَ نَصِيبٍ مِنْ حَنَانِهَا، ثُمَّ يَأخُذُهُم مِنهُ المَوت، وَ يَمْنَحُه نَصِيباً مِنْ قَسْوَتِه..
 
حَدَّادٌ يُعَلِّمُ القسوَةَ فَنَّ اللِّين؛ فَيَفْقِدُ لِينَ يَدَيْه.
 
الحُبُّ قَوِيٌّ نَحتاجُهُ كي يَحرُسَنا،
 
وَ ضَعِيفٌ يَحتاجُنَا كَيْ نَحرُسَه.
 
إذا كُنتَ مِمَّن يَنتَظِرُونَ المُقَابِل؛ فَلَا تُحِبّْ، و لا تُصادِقْ.
 
فِي الحُبِّ كَمَا في الصَّداقَة.. اِمْنَحْ، ثُمَّ اِمْنَحْ، ثُمَّ اِمنَحْ، فَرُبَّمَا تَظْفرُ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّكَ صادِقْ.
 
في الحُبّ.. كُلَّما تَدَهْوَرَ عَقلُك، صَحَّ حُبُّك..
 
أَعلَى مراتِبِ الحُبّ: الجُنُون.
 
العَقْلُ خيَارُ المُرْغَمِين..الوِجْهَةُ القلْب،
 
العَقلُ مَحَطَّةٌ لِأَجْلِ القَلبِ يَقصدُها الجميع،
 
وَ لا يَبْقَى بِرفقَتِها أَحَد.
 
القَلْبُ حَاسَّةٌ نَعْرِفُ بِهَا طَعْمَ الحُبّ.. طَعْمَ ما يُحَسُّ و لا يُرى..
 
حَاسَّةٌ.. تَقْرَأُ كلَّ شيءٍ في يُسْر، و تَتَهَجَّى فِرَاقَ الأَحِبَّةِ في عُسْر..
 
كَمْ فَكَّرَ العَقْلُ وَ لَمْ يَفْهَمْ!
 
وَ كَمْ فَهِمَ القَلْبُ دُونَ تَفكِيرٍ، وَ فَهَّمَ رَغْمَ أَنَّهُ لا يُفْهَم!
 
فَطِنٌ كَجُرْح.. في البَدْءِ كانَ القَلْبُ جُرْحاً خَاطَهُ الحُبُّ؛ فَصَارَ قَلْباً.
 
يُرْهِقُ القَلْبُ الشَّاعِرَ حُبّاً؛ فَيُرْهِقُهُ الشَّاعِرُ شِعْراً.
 
لَمْ أَدْخُلْ البارِحَةَ مَدينَةَ النَّوْم؛ فالبَوَّابَةُ أَغْلَقَهَا الحُبّْ،
 
لَكِن لا بَأْس؛ فَقَدْ دَخَلَ قَلَمِي مَدِينَةَ الوَرَقْ.
 
يَسِيلُ صَبْرِي مِنْ شُقُوقِ تَحَمُّلِهْ..
 
لَقَدْ شَاخَ الأَمَلُ كَثِيراً؛ فَمَتَى يَمُوت؟
 
أَبْكِي وَ أَبْكِي وَ أَبْكِي؛ فَأََجِدُنِي كَفَفْتُ عَن حُبِّهَا!
 
هَلْ ماتَ حُبُّهَا فَبَكَيْت أَمْ تُرَانِي ذَرَفْتُهُ حِينَ بَكَيْت؟!
 
سَأَسْتَسْلِمُ لِلحُبِّ أو أَفِرُّ مِنْه..
 
لَنْ أُرْسِلَ قَلْبِي لِمُلَاقَاتِهْ.. سَيَخُونُنِي وَ يَلْتَحِقُ بِهْ؛
 
فَقَلْبِي قِطْعَةٌ اِغْتَصَبْتُهَا مِنْه.
 
يَا حُبُّ يُطارِدُكَ الجَمِيع.. سَأُقَايِضُكْ:
 
أُخَبِّئُكَ عِنْدِي، على أنْ أُظْهِرَكَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّكْ.
 
يُحَاوِلُ الحُبُّ وَهْبِي لِلزَّوَاجْ.. أَسْتَرْحِمُهُ؛ فَيَهَبُنِي لِلْحِبْر.
 
هُوَ ذَاكْ.. لِغَيْرِي الزَّوجَةُ وَ الوَلَدْ،
 
وَ لِي مِحْبَرَةٌ مَلْأَى وَ لَوْ بِدَمْعِي.
 
يَا حُبُّ أَزِحْ ضَبَابَ مَشَاعِرِي، كَيْ تَسْطَعَ لُغَتِي، وَ يَتَّضِحَ لِي دَرْبُ القَصِيدَة..
 
هَبْ لُغَتِي مَا لَمْ تَهَبْنِيه الحَيَاة.. هَبْهَا عَصَا مُوسَى، وَ هَبْهَا لِلْحَيَاة.
 
 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

التعليقات