95 عاما على ميلاد “لطيفة الزيات”: حكاية “الباب المفتوح” وانتصارات المرأة وتحقيق ذاتها.. أكاد أراكِ تبتسمين

كتبت : نسمة تليمة

 

“لا أريد منك أن تفني كيانك في كياني ولا في كيان أي إنسان، أريد لكي أن يكون لكي كيانك المستقل والثقة التي تنبعث من النفس لا من الآخرين وإذ ذلك فقط تحققين السعادة”.. كانت تلك الجمل الحوارية الأشهر فيما ينتصر للمرأة في السينما المصرية نابعا من انتصار أخر في عالم الأدب والنضال والسياسة للمرأة أيضا علي يد “لطيفة الزيات”.

تحت عنوان “الباب المفتوح”، الكثير من الحكي عن مجتمع رغم ليبراليته وقتها مقارنة باليوم إلا أنه كان مازال يحمل للمرأة نظرة تقليدية سلطوية حاولت التخلص منها والعبور إلي الطريق المفتوح، كانت لطيفة عبد السلام الزيات هي المشكاة الأولي للكثيرات ممن وجدن في وعيها قشة نجاة.

أتذكر جيدا سطور ذلك الحوار القديم في الثمانينات الذي أجرته الصحفية الشابة وقتها بهيجة حسين بجريدة الأهالي والذي حاورت خلاله الكاتبة الكبيرة والمناضلة الشيوعية لطيفة الزيات، السيدة كانت تتحدث من القلب عن النضال والحب والجنس والنقد بقلب مفتوح دون خوف، وبتصالح كبير مع الحياة، صاحبة رواية الباب المفتوح التي مازال يحتفل بها الكثيرين، كما أنني أتذكر جيدا كلمات الناقد وأستاذ الأدب العربي د. عبد المنعم تليمة وهو يصنف السير الذاتية التي كتبتها أديبات مصريات وكيف أن رواية  لطيفة الزيات وكتابها التالي “أوراق شخصية” تعد الأكثر جرأة إن لم يكن بمقياس اليوم فبمقياس عصرها وقت صدورها، وأنها تعد طفرة في عالم السيرة الذاتية تحسب للكاتبة الراحلة التي يصادف اليوم ميلادها  الخامس والسبعون.

لطيفة الزيات صاحبة الضحكة البراقة المشهورة عنها والشخصية القوية التي تمنحها القدسية خيال الكثير من الفتيات ممن اعتبر “بابها المفتوح” دستور للحياة ومنحي يجب حدوثه في حياتهن، الروائية والناقدة التي  ولدت في 8 أغسطس 1923 وتوفيت 11 سبتمبر 1996 اهتمت بشئون المرأة وقضاياها لكن من منطلق وطني بحت، تواجدت في الكثير من المناسبات الوطنية تدافع وتنادي وتقود مظاهرات في صباها أثناء دراستها الثانوية، فكتبت لنفسها طريقا لم تخلفه في حياتها بعد ذلك.

كانت روايتها الأولي الباب المفتوح تنتصر لحق المرأة في الحياة والحب والعمل والتفكير، فتعد مرحلة مبكرة من الروايات التسوية  إضافة لكتاب ” حملة تفتيش : أوراق شخصية ” والتي كانت أوضح كثيرا كسيرة ذاتية من الرواية السيدة لطيفة الزيات حصلت علي الدكتوراه في الأدب من كلية الآداب جامعة القاهرة وشغلت مناصب عديد فقد تم انتخابها وهي طالبة أمينا عاما للجنة الوطنية للطلبة والعمال وتولت رئاسة قسم اللغة الانجليزية بكلية الآداب ورأست قسم النقد بمعهد فنون مسرحية وعملت مديرا لأكاديمية الفنون.

أعمالها الأدبية تتضمن في مجال الرواية: الباب المفتوح(1960) وصاحب البيت(1994) و الرجل الذي عرف تهمته وهي رواية قصيرة(1995). أما الأعمال القصصية فتشمل الشيخوخة وقصص أخري(1986), فضلا عن مسرحية بيع وشرا(1994)والسيرة الذاتية المتميزة حملة تفتيش أوراق شخصية. ولها في مجال النقد عدة كتب أشهرها نجيب محفوظ الصورة والمثال, وفورد ماد وكس فورد والحداثة ومن صور المرأة في القصص

“مازالت ممتلئة باليقين وأيضًا بالأسئلة، وعلى قلق كأن الريح تحتها. دقق في مشيتها: أبطأ قليلًا، صحيح؛ لا تخلو من بعض الوهن ربما؛ ولكنها كعادتها تمشي وجذعها مندفع للأمام، تستبق، تشاكس الدنيا، وتضحك ” هكذا وصفتها الراحلة رضوي عاشور في احدي كتابتها عنها.

تعرضت لطيفة الزيات لتجربة السجن في أخر عهد السادات، نقلت ألينا الكثير منها في كتابها  ” حملة تفتيش أوراق شخصية ” في حالة ثرية مكن ألحكي تروي تحت عنوان ” سجن القناطر 13 نوفمبر1981،  ليس عنها فقط وإنما أيضا عن صديقاتها داخل السجن مع اختلاف انتمائهم السياسية والأيدلوجية، وكانت تجربة فريدة في الكتابة وقتها عن هذا الحدث، الي جانب  الكاتبة بسجّانها، وكيف استطاعت أن تبدل المواقع بينها وبين سجانها، فتجعل منه هو المسجون وليست هي، كما كتبت عن تجربة  زواجها وطلاقها وما سببته هذه التجربة من ندوب وجروح كانت أكثر إيلاما من تجربة السجن ذاتها، علاوة على تجربة موت أخيها عبد الفتاح التي ربطت بينها وبين حدث عام.

لم تكن حملة التفتيش التي قصدتها الكاتبة الجريئة والمناضلة هي فقط حملة التفتيش المادية التي تعرضت لها أثناء السجن عام 1981 انما حملة تفتيش داخلية استعادت من خلالها ذكرياتها من البداية عن حياتها بشكل مباشر وعن ماتعرضت له وتكوينها وتجربة أخرى للحبس عام 1945 هي وزوجها بتهمة قلب نظام الحكم.

“النقطة الرئيسية من جديد أننا لا نتوصل إلى ذواتنا الحقيقية إلا إذا ذابت الذات بداية في شيء ما خارج عن حدود هذه الأنا الضيقة” هكذا كتبت وأرتأت صاحبة النموذج المثالي أحيانا في عقل الفتيات ، ورغم كل تلك الهالة التي تستحقها شخصية لطيفة ونضالها وكل مافعلته في حياتها ورضت عنه ألا أنها تستحق نظرة جديدة لها، نظرة خارج البرواز الضيق الذى منحته اياها تحويل ” الباب المفتوح” الي عمل سينمائي قربها الي الشارع لكنه أبعدها عن فكرة أنها بشر تحتمل بعض أفعالها الي الصواب والخطأ وقد تحتمل من الأساس قبول خاص لكل الأفعال، قبولا لحرية الحياة في المطلق حرية التصرف والاختيار وحثي حرية الخطأ ، وهو ما كان لب فكرتها في غالبية الكتب وحواراتها الشخصية مع أصدقائها حتي في اختيارها الزواج من شخص اعتبره من حولها أنه لا يشبهها، كانت تريد أن تمنح الجميع الحرية كما طالبت من أخيها أثناء سفره للمقاومة في بورسعيد ” عايزة الحرية يامحمود الحرية” حني أننا الآن نكاد نراها تبتسم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *