غربلة| أحمد سمير يكتب: الله وليس رجاله

لا شك أن الدين هو السلطة الحقيقية التي تحكم قلوب ووجدان الوطن العربي حيث ظل الدين فكرة عامة يتلقمها عقل الإنسان منذ الصغر حتي تصبح تدريجيا اعتقاد يحدد سلوكه ويؤثر علي أهدافه خاصة وأن كل الأديان تنادي بالصدق والأمانة والاتزان وترسخ مفهوم الرقابة الذاتية أو ما يسمى بالضمير.
وفي هذا الإطار يبقى الدين ذو سلطة بيضاء شفافة ومرآة خاصة جدا تعكس لكل منا نفسه وتلفته إلي جروحه فتكشف للكاذب قبحه وللصادق نوره وجماله، تستمد السلطة الدينية قدرا كبيرا من الشفافية طالما بقيت عامة من حيث موضوعها وجوهرها فتتسع للإجتهاد والتأويل والتفسير طبقا لقواعدها المنطقية، وخاصة جدا من حيث طقوسها وشعائرها فلا تخضع لمحاكم تفتيش من أي نوع، وقَبول هذه الصورة المبسطة لأى سلطة وجدانية كانت او مادية ما دامت تمتلئ بقدر كبير من الشفافية هي علامة نضوج لأي مجتمع انساني يدرك أن الشفافية والحرية هي المسار الوحيد للبقاء والتطور، لكن واقعنا العربي شَهد طوال فترة وجوده اختطاف لهذه السلطة الدينية بعمومها وخصوصها ووقعنا في الخلط بين الله ورجال الدين فأصبح الواحد ينظر مرآة الدين الكاشفة العاكسة فلا يري سوى فتاوى ودباجات وعمائم ولحي.
لا تعبر عنه مطلقا ولا يجرؤ علي الإشتباك العقلي معها ولم يعد يرى حقيقة نفسه بل إختلط بأفكار ليست من عقله وكلمات ليست علي لسانه.. والإنسان لا يشعر بإنتمائه لشئ إلا إذا إمتلك حق التعديل والتغيير فيه ووضع لمسته الإنسانية، فأنا لا أدرى ما هذه الغربة والوَحشَة التي تُصيب شخصاً يسكن قصراً شاهقاً لا يملك فيه نقل فازة الورد من مكانها من حيث يصرخ أصحاب الفكر الواحد والرأي الواحد “لا تلمس شيئا”.
مدعين إمتلاكهم للعلم والحقيقة معاً والمشكلة هنا أن المُتكلم عن الله عادةً ما تختلط إرادته بإرادة الله فينظر للمسئ بإحتقار وتكبر مرتدياً رداء ديني زائف أو يقتل ويذبح ويكفر ظناً منه ان الإله لهذا سيكون فرحاً سعيداً في عليائه .. “حاشاه ” .. فالله ليس رئيسا لشركة إستثمارية يحبذ الانتشار والمكسب والتمكين .. بل هو القائل سبحانه (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) الأعراف: 129) .. أي ليختبركم وينظر فعلكم … ولا أعلم عن الله سبحانه الذي أمر بالعدل والمساواه أن يُحبذ سَبى النساء والأطفال كغنيمة لرجاله علي الأرض… ولا أعلم كيف لله الذي خلق كل هذا النغم في الحياة من هديل المياه و صوت ارتطام الاشجار وزقزقة العصافير أن يُحَرِم الموسيقي التي تخاطب القلوب وتسمو بها… وما اعرفه عن الإسلام أنه دين إندماج وإنخراط وهنا تكمن قوته وبقاءه.. وليس دين عزلة وتقوقع كحال بعض المسلمين أصحاب الفكر الواحد والمظهر الواحد والدباجة الواحدة ولا شك أن النظم السياسية بلغة علم المُحاسبة شريك متضامن في هذه الشركة القميئة كونها سمحت لهذه الأفكار الجامدة ان تجد.
تربة خصبة من المريدين بين أوساط الفقراء ، فالفقر والجهل ضمانة كافية لبقاء السلطة السياسية الحاكمة خصوصا وان هذا الفكر الديني المتصلب خاطب الفقراء بما يطمئن السلطة السياسية فوقف يَخطُب في المساجد تدليساً أن للفقراء دولة يوم القيامة وأن الفقر قدر من الله وليس فشلا من الحكومات و أن الأغنياء تُعساء لأن الغني حُرِم السعادة ، وعلي وجهٍ أخر فإن الأفكار المتصلبة إستهدفت توسيع رقعة مريديها من الفقراء فجلست تصرخ ان الرسول مباهٍ بكثرة عددكم يوم القيامة وأن تحديد النسل حرام شرعا ، فأنجب الفقراء فقراء يعانون مرارة الحياة وتسلُط السلطة السياسية وقرينتها الدينية من حيث تركنا الله واخترنا رجاله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *