نسوية| نادين بدراوي تكتب: المرأة و ذواتها (الصراع الداخلي – جدلية الاختيار والمسئولية)

تقول الكاتبة والناشطة النسوية الأمريكية أودري لورد “أنا أُعرّف بكل جماعة كنت جزءًا فيها”، كما عرّفت عن نفسها “سلسلة متصلة من النساء” و“مهرجانٍ من الأصوات”، قائلة: “كل ماهو دخيل علينا، هو في آن الوقت نقطة ضعفٌ وقوة؛ ولكن بدون المجتمع لا تتحقق الحرية، لا مستقبل، فقط هدنة ركيكة ومؤقتة بيني وبين القمع“.
لم تستطع المرأة أبداً أن تشكل هوية متفردة ومنفصلة بعض الشئ عما يتم فرضه عليها من المجتمع و لم يستطع الرجل أيضاً في أغلب الأوقات ولكن الفيصل بين القمعين هو أن الرجل غير ملزم بالإعتماد علي المجتمع لتعريف نفسه لأنه معترف به ككائن مستقل أما المرأة فكل تعريف لها يحمل في طياته اعتماد كامل علي القالب المجهز لها وحينما تحاول كسر هذا القالب سيوضع لها قالب آخر في الفضاء حوله ليمثل هذه الهدنة الركيكة والمؤقتة بينها وبين القمع الحاكم بعودتها للقالب الأول.
هنا بالتحديد تتشكل الأزمة … إلي أي قالب ننتمي؟ أنستطيع أن نرضي انفسنا والمجتمع معاً؟ أتستطيع أي إمرأة ان تختار الحياة خارج القالبين؟ بلا قالب علي الإطلاق؟ أتستطيع تحمل ثمن هذا الإختيار؟
للإجابة علي تلك الأشئلة علينا أولاُ تفتيت الصراع الداخلي الذي تنتجه تلك الأسئلة بتعريف الهوية الثقافية ولكن سنبدأ أولاً بتعريف الهوية. تُعرفُ الهويّة في اللّغة بأنّها مُصطلحٌ مُشتقٌّ من الضّمير هو؛ ومعناها صفات الإنسان وحقيقته، وأيضاً تُستخدمُ للإشارةِ إلى المَعالم والخصائص التي تتميّزُ بها الشخصيّة الفرديّة، أمّا اصطلاحاً فتُعرفُ الهويّةُ بأنّها مجموعةٌ من المُميّزات التي يمتلّكها الأفراد، وتُساهمُ في جعلهم يُحقّقون صفة التفرّد عن غيرهم، وقد تكون هذه المُميّزات مُشتركة بين جماعةٍ من الناس. أما الهويّة الثقافيّة فهي الهويّةُ التي ترتبطُ بمفهومِ الثّقافة التي يتميّزُ فيها مُجتمعٌ ما في بناءِ ثقافة الأفراد في المجتمع.
وحيث أن العامل الأكثر تأثيراً في هوية المرأة الثقافية هو المجتمع فهي تعاني من جانبين في تعاطيها معه الجانب الأول هو إستيعابه والثاني هو الإنتماء إليه. كيف تستوعب المرأة فكرة المجتمع المحيط بها؟ و كيف تنتمي إلي تلك الفكرة؟
بأن تفهم من خلال المنطق العام ما يؤمن به أفراد هذا المجتمع من أفكار ومعتقدات ثم تنتمي إليه من خلال منطقها الخاص حول تلك الأفكار. تقع المرأة هنا في مشكلة المغالطات المنطقية أو ما يعرف بالتقاليد والعادات والموروث فأغلب تلك الأفكار تفتقر للمنطق العام وبالتالي من المفترض نظرياً أن يكون مريديها قربوا علي الإنقراض ولكن الواقع هو العكس.
أتسرد المرأة رؤيتها ومنطقها الخاص أم تكتفي بالإستيعاب؟
في كتاب «السرد والهوية: دراسات في السيرة الذاتية والذات والثقافة»، وهو مجموعة من المقالات قام بتحريرها جينز بروكميير، ودونال كربو، وترجمها الشاعر عبد المقصود عبدالكريم، نجد جهداً واضحاً لتضييق الفجوة بين دراسة الهوية الإنسانية من ناحية، والخطاب السردي والثقافي من ناحية أخرى، وهي فجوة تتطابق بين علم النفس والعلوم الإنسانية الأخرى.
يقدم جيروم برنر في الفصل الأول رأياً عن السيرة الذاتية بوصفها عملية تشكيل سردي للذات مثل كل السمات «لتشكيل عالم» مفهوم يستعيره برنر من الفيلسوف نيلسون جودمان. يرى فريمان وبروكميير، أن هوية المرء بقدر ارتباطها بالتقييم التفسيري للماضي الشخصي للفرد وهو يحدث في سرد السيرة الذاتية، يتعذر فصلها عن الأفكار المعيارية عن الحياة، أو ما يفترض أن تكون عليه، إذا كانت تُعاش في شكل جيد، ويسميان هذه الأفكار مفاهيم «الحياة الجيدة»، لافتين إلى حقيقة أن بناء السرد للهوية ليس له بعد نفسي واجتماعي فقط، لكن له بُعداً خلقياً أيضاً.
يعني ذلك أن هناك أكثر من ذات للمرأة فهناك المرأة صاحبة الذات الأولي وهي النسخة المجتمعية وهناك الذات المتعثرة بين القوالب وهناك الذات التي تحاكي القالب وهناك الذات المتقهقرة أو المهزومة وهناك الذات المنتفعة من كل القواب وبين تلك الذوات نفقد إستيعابنا الأولي للحقيقةو للعدالة و أي موقف نتعرض له ونقوم بحكيه يكون خاضع بشكل رئيسي لتاثير ماضينا علينا وحكمنا العاطفي والعقلاني عليه نادراَ ما يكون عادلاً نظراً لما نحمله علي عاتقنا من أسئلة عن عدالة آلام نسورية سبق واختبرناها.

جدلية الإختيار والمسئولية
كيف تتحمل إمرأة في صراع دائم مسئولية اختياراتها؟ من المتوقع حدوث تنازلات ومفاوضات ولكن هناك إستحالة أن يتوقع من إمرأة تتعثر بين القوالب هاربة من واقع مجتمعي كبيس أن تجيد الإختيار في كل مرة وأن تواجه نفسها بحيادية تامة بسوء اختيارتها والأثمان التي تدفعها مقابل تعثرها. ولذلك فإنه من الصعب أن يتم الحكم دائماً علي الأمور من منظور نساء قمن بنفس الاختيارات ودفعن نفس الأثمان لأن الحكم سيكون شخصي وغير موضوعي فأنا بطبيعة الحال سأتعاطف مع من يشبهني وسأتحيز لصفوف من أظن أنهم يعانون مما عانيت منه من نسورية ولكن ما نعاني منه جميعاً مختلف بقدر تشابهه وقد نكون شاركنا بإرادتنا في معاناة سببناها لأنفسنا بمشاركة الجناة النسوريين في مآسينأ.

One thought on “نسوية| نادين بدراوي تكتب: المرأة و ذواتها (الصراع الداخلي – جدلية الاختيار والمسئولية)

  • 1 أغسطس، 2018 at 8:52 م
    Permalink

    استطاعت أن تدخل في صميم معاناة المرأة والتحديات التي تقصمها دوما
    احسنتم

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *