سلمى أنور تكتب: من مذكرات “دراما كوين” (3)

لم أقصد أبدا أن أكون طرفا في كل تلك المعارك ..كنت دوما على هامش الأشياء، أبتسم في صمت وأقلب في أوراقي متشاغلة بينما يقتلون بعضهم بعضا في زاوية المشهد…متى انجررت للميدان؟ لا أذكر..وعلى الأرجح أنا لم أفعل..كل ما حدث أنهم جاءوا بالميدان إلى جوار فراشي!

ولم أقصد أبدا أن أكتب رواياتي التي اشتبك معي حولها نقاد وقراء ظهروا فجأة في صالة بيتي وصحبوني إلى قاعات أنيقة ذات طاولات عليها ميكروفونات كثيرة… أنا فقط كنت أسجل حكايات ظننتها لا تهم أحدا بينما أجلس القرفصاء تحت شباك غرفتي، حين هاتفني رجل ما بينما أهم بإعداد قهوة الصباح بين روايتين وأحلم بزيارة أضرحة آسيا الوسطى القديمة..رجل قال لي: أنا ناشر..انشري بعض هذيانك معي!

***

علّمني حبيبي قراءة النجوم…وحين كبرتُ قليلا في حِضنه، علّمني كيف أُسيّر نَجما صغيرا من يمين السماء إلى شماله…لكنه نسي أن يُعلمني كيف أمنع النجم الصغير من أن يقع فوقي في لحظة شرود فيسحق الباقي من شغفي بالسماء

***

بعض النساء تبتاع الحب -بأي صورة من صوره – بالمال أو بالجاه ونفوذ شوارب العائلة..
بعضهن تقايض دفء أجسادهن مقابل الحب..تقايضن ولاءهن الكامل والأعمى… الخدمة كالعبيد…أو حتى يدفعن الذهب والفضة للسحارين والعمّالين وخابزي الحب قسرا!
قد يدفعن أعمارهن يوما يوما وساعة ساعة…قد يخلفن وراءهن عوالم كاملة، عقائد ومفاهيم وذكريات، أو حتى يضعن الحياة ذاتها على المحك نظير أن يُحببن…
البائسات…لم تعلمهن أمهاتهن أن الواحدة منهن متى خلقت، انكتب في نجمها موعودُها من الحب مقدارا وزمنا…فلا زيادة ولا نقصان…وأن في لهاثها وراء ما لم يكتب في طالعها امتهانا كثيرا للقدر …ولذاتها.

***

قرأتُ على ذاك المنتدى النسائي أن استنشاق الليمون يحفز إفراز هرمون السعادة في الجسم، فلم أترك بائع ليمون في الحي إلا اشتريت منه ملء حقيبتي ليمونا!
في حافظتي ليمون، في حقيبة اللابتوب ليمون، في جيوب ثوبي ليمون، في درج التابلوه وفي فتحة الفتيس وخلف الدركسيون، على الكومودينو وفي دولاب الملابس وعلى رف الحمام ليمون..إلى جوار سور البلكونة وفي سرير رضيعتي وفي سبات الغسيل والمشابك ليمون…في مكتبي وعلى أرفف الروايات ليمون…
وراء الريسيفر وفي تجويف الطبق اللاقط وفوق الراوتر ليمون…
ليمون صحيح، ليمون مشقوق، ليمون مقطع، ليمون معصور، ليمون مُقشّر…
في حيّنا، قالوا ساحرة تمارس طقوسا سوداء بالليمون، وقالوا مهووسة ضربها جنون الليمون وقالوا تاجرة تسعى لاحتكار الليمون…
قالوا عني وعن الليمون كل الأشياء، الا الحقيقة: أن هرمون سعادتي اللعين لا يجدي معه استنشاق آلاف الأفدنة من الليمون!

***

في الحزن، تنطفئ كل تلك النقاط المضيئة في تلافيف مخي… كل تلك الأحمرات والأزرقات التي تتناثر على المخ كما كنت أشاهدها في أفلام “العلم والإيمان” التسجيلية المدهشة…

كل تلك اللمبات الدقيقة المبهجة تنطفئ وقت الحزن…فأجلس وحدي في الظلام!

إن مددتَ يدَك، سأصافحُك بحرارة
إن نظرتَ لي سأبتسمُ بفرحة
إن أعطيتَني قطعةً من الشوكولاتة سأقفزُ فرحا حولك…

لكني في الحقيقة هناك، في داخلِ التلافيف الكثيرةِ المظلمةِ وحدي، أحاولُ جاهدةً أن أقنعَ ملايين المصابيح الصغيرة في خلايا المخ وعبر انحناءاته المتكدسة على بعضها أن تنيرَ لي ولو قليلا…ولو بنصفِ طاقتها…ولو بلونٍ واحد فقط…

وبينما أنا هناك في التلافيف وحدي، يصافحك ويبتسم لك ويتقافز لحلواك هيكلي فقط…تماما كذلك الكائن الفضائي الصغير في فيلم “رجال يرتدون السواد”…ذلك الكائن الهش الذي وضعوه داخل هيكل حديدي ضخم كي يحميه من الاغتيال في سفره عبر المجرات…وعليك أن تصهر الحديد قبل أن تصل إلى الكائن المحمي…

***

في مكان ما على الأرض، هناك امرأة صغيرة تجمع أحزان كل النساء في كل العصور والقارات لتصنع منها دمية كبيرة زرقاء بلون الفقد…لكنّ الدمية الزرقاء لن تبتسم إلا للنساء القادرات على عرض أحزانهن دون مواربة ولا كبرياء…أما الأخريات اللاتي يشوهن حزنهن بالابتسامات الشريرة، فستأتيهن الدميةُ في النوم طيورا زرقاء مغرورة تنهش قشرة قلوبهن حتى لا يتبقى منها إلا قلب القلب الذي نظّفه الانكسار

***

في الأزمات، ثق أن الله سينُبت لك من الأرض نساء يحاوطن فزعك ..سيداوينك بالحكايات والإيناس والموشحات الأندلسية وصور الصحاري الصامتة…سيعلمنك فنونا مدهشة من التداوي الذاتي ويقصصن عليك بصبر لا تجيده إلا النساء تاريخ النفس الإنسانية منذ أن أوجدها الله، وتاريخ المخلوق المسمى حزنا منذ أن أذن له الرحمن أن يسكن قلوب عباده… ثم… فجأة وفي غفلة منك، سيرفعن أيديهن عنك لتجد كل الجراح قد برئت وتجدك و قد خرجت جديدا من رحم سحري جديد ..من قال إن رسل الله وجنده من الرجال فقط؟

***

 

لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *