علي الديـن أحمـد يكتب: أولئك الذين رقصوا في الظَّلام (قصة قصيرة)

حفيف أوراق أشجارٍ تفتعله نسمات من الهواء گأنّها متعمدة، في شارعٍ خلا تقريبًا من الحياة، تأتيه رياحٌ عابثة بصوتٍ مُخيف، ثم لا تلبثُ أن تستحيلَ لنِسمةٍ هادئةٍ مسالمةٍ رقيقة، تمسُّ فيك شغفك بالحياة، حبُّكَ لعَيشِ تلك الحياةِ، مهما كُنت، ومهما كَانت..!

دارت ورقة -طارت برياحِ الليلة-على إحدى المطاعم الفاخرة، جلسَ فيها بعضُ الشُبَّان يتناولون ألوانًا شتّى من الطّعام ممّا لا يجعلُ بالمنضدة مكانًا فارغًا لِكُوب ماء، خارج المطعمِ -ليس ببعيد- كان بعض الفِتيان قد فرشوا أرضَ زُقاقٍ ما بقماشٍ بالٍ وجعلوا فوقهم قِماش مِن نفس النَّوعِ الفاخر ليحتموا به من البرد.. ويگأنَّ الغطاءَ يجلبُ البردَ لا يَصرفُه..!

جلسَ شبَّان المطعم يتعازمون فيما بينهم على من يُنهي نصف ما قُدِّمَ لهم فقط.. لكن هيهات مِن متطوعٍ لذلك العمل العظيم، همَّوا بالخروج، حينها كان أحدُ فِتيان الزُقاق يتألم من الجوع؛ كُل ما هنالك أنه لم يَجد في حاويات القمامة ما يأكله..!

حلّقت الورقة في السماء فوق رؤوسهم جميعًا، ثم اختفت في الظلام الداكن للسماء..!

ظِلال الشباب الشبعى قد لاحت وغطت على فُرُشِ فتيان الزقاق النيام، متوجهين إلى أي ملهى يقضون فيه سهرتهم اليومية، لكن أصحاب الزقاق لم يكونوا بعيدين عن اللهو بمكان، فقد مكثوا ليلتهم يحاولون أن يتكيفوا مع فئران فراشهم وحشرات الزقاق التي بدورها كانت تلهوا معهم..!

متى سهر شباب الملهى على دأبهم، لا يريدون النوم، ولا يأتيهم هو، سيسهر ساكني الزقاق وكل أمنيتهم غفوة واحدة، غفوة ولو بسيطة..!!

سيسهر ذوي البطون الممتلئة مع ذوي البطون الخاوية، والوجوه الشاحبة، وجسدٍ أعيته مشقةُ عيش، سيسهرون جميعًا في ليلة واحدة..!

ليلة تلتحف السواد وأخرى سوداء زاهية بها أضواءٌ تروح وتأتي بصورة عابثة، وصوتٍ صاخب، وكل ما هو ليس خالٍ من الكحول، ورقصٍ مقزز..

يظل الساهرون على حالتهم حتى تطلع الشمس، فيرتاح السكارى من ليلتهم الشاقّة ويستعد أصحاب الزقاق لنهارٍ شاق..!

ثم ينتهي فصل النهار من مسرحيتهم الروتينية السخيفة، فيأتيهم الليل بما يحمله من قسوة..!

غابت الشمس وعاد ظلام الليل يفترس أحشاء سكان الزقاق المساكين، وينهش بأنيابه الباردة أجسادهم الهشَّة، فيأخذ معه ما في أجسادهم من الدفء، ثم يتركهم كالجثث الباردة، فعل على الموتى عِتاب!

 عاد شُبان المطعم لمطعمهم وأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا لاستكمال سهرتهم..

حينها ظهر شيء يهوي على شكل دوائر بفعل الرياح وهبط مستقرًّا على الأرض، گانت وَرقة..كُتِب فيها كلمتان بخطٍ أسود.. كانتا،

 “والمَوتُ عَدلُهُمُ”..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *