يوسف مسلم يرد على ماجدة جادو: عن نجيب محفوظ وإبداعه‎

تعيب الأستاذة ماجدة جادو على محفوظ ضعف لغته مقارنة إياه بكونديرا وساراماجو، وهو أمر غريب بالنسبة لي، فمن الصعب بل والمستحيل، الحكم على لغة كاتب في لغة غير لغته الأصلية وهذا ليس رأيي بل هو قاعدة في علم اللسانيات، فالنص الأدبي المترجم هو صورة عن النص الأصلي، وليس النص الأصلي ذاته، بل إن أهمية النص المترجم تتفاوت من ترجمة إلى أخرى، فمثلا جبرا إبراهيم جبرا ترجم مكبث لشكسبير وكذلك ترجمها خليل مطران، كما ترجمها محمد فريد أبو حديد وكذلك محمد عناني، مطران وأبو حديد مثلا ترجماه بلغة كلاسيكية جدا اعتمدت بالأساس على جماليات البلاغة العربية، وهذا ربما نراه جيد في القراءة لكن على خشبة المسرح الأمر مختلف، من ناجة أخرى ترجمة جبرا إبراهيم جبرا أكثر سلاسة ووضوحا، في حين أن محمد عناني ترجمه شعرا عربيا تفعيليا، وهذا أيضا يعوق عملية تمثيل النص، ومن ذلك نخلص أننا أمام أربعة نصوص مختلفة وليس نصا واحدا ومن ثم لا أستطيع أن أحكم على لغة كاتب من خلال تلقيه مترجما.
أما فيما ادعته الأستاذة ماجدة جادو عن فقر لغة نجيب محفوظ، وعدم وجود بناء سردي لديه واتهمته بأنه مجرد صانع حكايات، ففي رأيي أن كل هذه الاتهامات باطلة لأنه في رواية ثرثرة فوق النيل يصف نجيب محفوظ حال الأستاذ أنيس في المصلحة الحكومية في مشهد فانتازي ساخر يقترب من الكاريكاتير إذ يقول ” ودبت حركة عجيبة في رئيس القلم فشملت أعضاءه الظاهرة فوق المكتب، حركة تموجية بطيئة ولكنها ذات أثر حاسم، راح ينتفخ رويدا رويدا فيمتد الانتفاخ من الصدر إلى الرقبة إلى الوجه ثم الرأس، حملق أنيس زكي في رئيسه بعينين جامدتين، وإذا بالانتفاخ البادئ، أصلا بالصدر يتضخم فيزدرد الرقبة والرأس، ماحيا جميع القسمات والملامح، مكونا من الرجل في النهاية كرة ضخمة من اللحم …… “
في هذه الرواية يعتمد محفوظ على تقنيات تيار الوعي في السرد، ولأن بطله هنا مسطول فإنه يسرد من خلال وعي هذا الرجل المشوش فيرسم لنا لوحة سريالية حشد لها لغة حادة وكثيفة لا ترهل فيها ولا زيادات، على رغم ترهل المشهد السريالي، وهو على طول الرواية يراوح في السرد بين الوعي واللا وعي بما يثبت أن محفوظ في هذه الرواية ليس مجرد معماري ماهر بل فنان فسيفساء مدقق على رغم أن هذه الرواية ليست من رواياته المهمة، إذا ما قورنت بأعمال عظيمة تحمل إعجازا إبداعيا فائقا مثل ملحمة الحرافيش وقلب الليل، وحديث الصباح والمساء.
بل إن عمليه الأخيرين أصداء السيرة الذاتية وأحلام فترة النقاهة هما مغامرتان مع اللغة، تضافر فيها المادي مع الصوفي والواقع مع ما وراء الواقع في كثافة باهرة، تدنو من مرتبة الشعر، فمثلا نرى في أحلام فترة النقاهة،
” وتراءى ‏أمام‏ ‏عينى ‏طريق‏ ‏طويل‏ ‏ملئ‏‏ ‏بالمتاعب‏. ‏هذه‏ ‏نهاية‏ ‏وليست‏ ‏كما‏ ‏تظن‏ ‏بداية‏ !! ‏فاعلم‏-فقّهك‏ ‏الله‏- ‏كم‏ ‏هى ‏نهاية‏ ‏بلا‏ ‏نهاية‏. أو‏ ‏انظر‏ ‏إلى تلك ‏النهاية‏ ‏المفتوحة‏ ‏أيضا‏ ‏هربا‏ ‏من‏ ‏الغرق‏ ‏إلى ‏سماء‏ ‏مجهولة “
فضلا عن ذلك يظل نجيب محفوظ حتى الآن هو أهم مجرب في تاريخ الرواية العربية، فرواياته من أمثال أولاد حارتنا وملحمة الحرافيش والعائش في الحقيقة و عصر الحب وحديث الصباح والمساء، هى أعمال تجريبية باقتدار استحدث فيها محفوظ تقنيات سردية وآليات بناء أضافت إلى ميراث الرواية العالمية.
من زاوية أخرى اتهمت الأستاذة ماجدة جادو نجيب محفوظ بخلو أدبه من العمق والأطروحات الفلسفية، وهو أيضا أمر لا صحة فيه، إن شخصية مثل جعفر الراوي وحدها تستحق دراسة فلسفية وسيكولوجية لا تقل عن ألف صفحة فضلا عن فلسفة الموت في حديث الصباح والمساء، وقصص تحت المظلة وخمارة القط الأسود، أما في رواية الشخاذ تعيب على محفوظ اختياره لبطل برجوازي يقوم بهذه الرحلة في البحث عن الحقيقة، والسؤال هل من حق أحد أن يفرض على كاتب لمن يكتب وعمن يكتب؟ هذا لا يحدث إلا في تيار الواقعية الاشتراكية وهو تيار ضعيف لم ينتج أدبا عظيما البته، لأنه كان يقدم الأيديولوجا على الفن، ومع ذلك فاختيار محفوظ لهذا النموذج البشري في هذه التجربة كان صحيحا، فبطله هنا محام استطاع أن يكون ثروة معقولة من عمله كمحام لمدة تزيد عن 20 سنة، فهو ليس ابن باشا أو بك أو حتى ابن تاجر ثري ورث عنه ثروة، إنه نموذج للبرجوازي المتوسط المثقف، الذي كان يكتب شعرا، ولديه تجربة سياسية فاشلة، هل كان يمكن أن نصدق أن شخص بسيط مثل عباس الحلو يمكن يمر بهذه التجربة الوجودية مثلا، بالطبع لا.
بالإضافة إلى ذلك اشتباك محفوظ المتواصل من الثوابت الاجتماعية وخرقه للتابوهات وإبرازه لاختلاط الجنس بالسياسة بالدين وإبرازه للمثلية الجنسية في الأربعينيات والخمسينيات، وقتذاك لم يكن أحد يجرؤ على كتابة أي أمر يتعلق بالمثلية الجنسية.
أما بخصوص اتهام محفوظ بحصره للمرأة في ثلاث صور تقلل من شأن المرأة، وهى المرأة المذلولة الخاضعة متمثلة في أمينة، أو العاهرات، والصورة الثالثة لم يتم ذكرها في مقال الأستاذة ماجدة وعليه فإني أتوجه بالسؤال إلى الأستاذة ماجدة، هل الست عين بطلة عصر الحب امرأة خاضعة؟ وهل هى عاهرة؟ وكذلك بخصوص سمارة بهجت وعايدة شداد وحياة عبده، وهدى هانم في قلب الليل وكل نساء حديث الصباح والمساء هل كن عاهرات مثل ريري أو إحسان شحاتة أو نور أو خاضعات مثل أمينة، بل إن ابنتي أمينة خديجة وعائشة ما كانتا مثل أمهما.
لقد قلتِ أستاذة ماجدة أنه لم يبرز المرأة الفقيرة المكافحة ونضالها، فهل من المفترض أن نطلب من الكاتب أيا كان أن يكتب وفق قناعاتنا، وهل دور الكاتب هو إبراز النضال وخدمة الأيديولوجيات؟ إن عظمة نجيب محفوظ تمكن في ثراء تجربته وتنوع مراحلها ليس مجرد كاتب مونوتون يكتب أعمالا متشابهة، نجيب محفوظ أخرج الرواية العربية من الصالونات والمتاحف عند طه حسين والعقاد والحكيم وهيكل وجعلها تسير على قدمين في الشارع.