هناء نصير تكتب: أضعف الأسرار

ابتعت علبة سجائر إل إم بيضاء. السجائر خفيفة تخلف دخانًا هادئًا يليق بالمبتدئات ومريضات حساسية الصدر والجيوب الأنفية المزمنتين. كل بضعة أيام أدخن سيجارة ولا أحتملها للنهاية.

أستمتع بشرب الشاي، خاصة إذا حالفني الحظ ووجدت نعناعًا أخضر في جولات تسوقي الليلية. أعد قدحًا منه بعد نوم الصغير، وأحمله إلى جوار كرسي الهزاز الذي يشغل زاوية من الصالة. أخرج علبة السجائر من مخبأها في الدولاب كي لا يعبث بها الصغير، أو يلوكها. أحتل مقعدي، أفتح العلبة بطريقة سينمائية مغرية، أشعل السيجارة بولاعة غير مميزة، وأعافر كي أشد نفسًا كبيرًا لا يسمح بانطفائها. أحملها بين أصبعي السبابة والوسطى، وأولجها بين جانبي شفتي الأيسرين. لا أحب أن أدخن بيدي اليمنى، ولا أدري لذلك سببًا. أشد نفسًا تلو الآخر وأحاول أن أكتم السعال والدخان لأخرجه من أنفي متذكرة نصيحة سلطان السكري.

الذكريات تتداعى: أرى أمامي سيدتين صغيرتي الحجم تجلسان أمام بيتهما كما يبدو الذي يقع في الطريق لبيت الجد، تعرضان نفسيهما لأشعة الشمس اللاهبة وتهافت الذباب. السيدتان ترتديان فستانين أسودين لهما فتحة عنق منخفضة ووسط عال، وتلفان طرحتين مخرمتين تشفان عن أثداء ضامرة لم يهتما بإخفائها كغيرهن من القواعد. ليس في ملبسهما ما يدهش الطفلة التي كنتها، لكن السيجارتين التي تمسكهما أحدهما بيمنها والثانية بيسارها، ما آثار دهشة الصبية التي لم تر امرأة تدخن قبل ذلك.

كل طقوس التدخين هذه دون استمتاع بالتدخين. “نرنو إلى أن نصبح شخوصًا سينمائية”. أستمتع بممارسة ما رأيته مرارًا في السينما وفي الحياة، وكان محرمًا علي. أصبحت حياتي رتيبة، يلزمني سر يعطي للحياة نكهة. بالإنجليزية يقولون to sex it up. الحياة التي تخلو من بعض الممارسات السرية والمختلسة، حياة بلا ألوان.

هذا سري الصغير التافه الذي أعلم أنه قد لا يضايق زوجي لو علمه، وغالبًا لن يقيم الدنيا ولا يقعدها في العائلة. لكنني أدعي بيني وبين نفسي أنه مهم وينبغي على أن أحافظ على سريته. أعرف نساء أسرارهن كبيرة وهادمة للبيوت كالخيانة بصورها المتدرجة، لكني أتمسك بأضعف الأسرار.