محسن صالح يكتب: أبو شنب بقدونس

 

 

المساء في فصل الشتاء طويل والحكايات أطول. “القعدة” دائما في الحجرة الداخلية من المنزل حيث تعد أمي “نعمات” كل شيء لزوم هذه الجلسات الطويلة ، فنجد خالي الأكبر “عبد الغفار” وخالي الأصغر “شديد” وأحيانا خالي الأوسط “سرور” . تطهو أمي الطعام من مختلف الأنواع وأبي “حمادة” في جلبابه المقلم وطاقيته الصوف التي تتحرك مع حركات رأسه يمنة و يسرة ووجهه الأسمر النحيل و ملامحه المستسلمة .

تبدأ الحكايات بعد العشاء وهنا كانت القصة من كلام خالي “شديد” الذي حكي بأن زميلا له في العمل يقطن منطقة نائية كان لابد أن يمر كل يوم في طريق عودته بمنطقة مهجورة مقطوعة و كان حريصا علي العودة من عمله دائما في أول الليل حيث الرجل ماشيه  تحاشيا من أن يلتقي بشبح ما أو مايحكي عنه في هذه المنطقة من أحداث. لذا كان لا يسهرفي العمل لأي سبب كان حتي جاء ذلك اليوم الذي فوجيء فيه بجرد ضروري اتمامه في العمل فبقي في العمل حتي منتصف الليل.

أضاف خالي وكل عيوننا تستقطر الكلام من ملامحه وحركاته و سكناته بأن زميله رجع من عمله في هذه الليلة وكل حكايات الأشباح في رأسه و بخاصة حكاية ” أبو شنب بقدونس” الذي سمع عنه . فجأة وجد شخصا يسير بجواره و يشاركه الكلام عن حال الدنيا و عن أحوال المناطق المقطوعة وعن العفاريت، لم يستشعر الخوف منه. حينما التفت إليه علي غرة وجد أن شاربه كثيفا، كثا وغليظا بشكل مفرط وملامحه غريبة.

مال عليه وهو يقول:

– بيقولوا بأن هناك أبو شنب بقدونس، عفريت بيطلع  لكل واحد .

فالتفت له و الكلام لايزال علي لسان خالي ينقله عن صاحبه ، و قال له الشيطان :

-زي دا

وأشار إلي شاربه الكث الغليظ و عيناه تبرقان.

توقف تنفسنا ونحن نسمع خالي “شديد” في حكايته وإذا بنا نستعجل بنظراتنا رشفه للشاي حتي نعلم ماحدث في هذه البؤرة من الأحداث و التي تجمد الدم رعبا في عروقنا  لسماعها. أضاف خالي ” شديد” بأنه زميله أخذ يجري في الظلام و ضحكات العفريت تتردد في أذنه كأنها تجري معه و لم يتوقف عن العدو حتي وصل إلي منزله و أخذ يهوي بقبضتيه علي الباب حتي انفتح ليختفي بحذائه و ملابسه تحت اللحاف و هو يرتجف رعبا.

يضحك خالي “شديد” و هو يقول:

-العفريت رعب الواد اللي قعد أسبوع يخترف و يهلوس

نكس والدي رأسه الصغير إلي الأرض و هو يهزها يمنة و يسرة و يقول :

-الخوف هو اللي عمل فيه كدا. كويس اللي ماضرهوش الشيطان

حل الصمت علي المكان اللهم إلا من صوت رشفات الشاي و كل منا يرسم الموقف في مخيلته و أنا أزداد انكماشا علي نفسي ملتصقا بأمي التي أحست برعبي فضمتني إليها و قد غطتني بشالها الأسود الثقيل و هي تقرأ الفاتحة علي رأسي الأسمر الصغير .

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]