ماجدة جادو تكتب: البهجة‎

 

كان قد تجاوز الستين بأعوام قليلة عندما هاجمه الحب فأرداه صريعا..صريع العشق والهوى.. صريع الرغبة والجنون.

 

حياته كانت خالية تماما منذ وفاة زوجته، تخلو من البهجة والصحبة، من البسمة والنشاط، من الانطلاق والحرية اللذين كان يتمتع بهما دائما، تمركزت كل حياته حول اشياء قليلة يمارسها دون إحساس ودون انتباه، يمارسها كمجرد روتين يومي كى يستمر فى الحياة التي لم يعد يدري حتى لِم يعيشها.

 

كل شيء أصابه الملل والضجر، يصحو من نومه فى الصباح المتأخر فيفتح المذياع الذي كان يصاحبه وحتى الذهاب للنوم يستمع إلى الأغاني تشدو متتالية فى نغم رتيب أحيانا وفى صخب أحيانا أخرى.

 

كان كثيرا ما يدندن مع بعض الأغنيات التى لها ذكرى معينة عنده (افتكرني) (ذكريات) (الحليوه فين) إلى آخر تلك الأغنيات ذات الأصوات والألحان الخالدة، إلى جانب الغرق في الاطلاع على قديم وحديث الإصدارات من الكتب والمجلات في شتى المجالات سياسة واقتصاد وتاريخ وروايات خالدة في الحب والفن وعلم النفس.

 

يفعل كل هذا وهو مستلقى على أريكة فى الصالة في منزله المتواضع لا يبارحها.. المذياع في المطبخ يشدو وهو مستلقى يقرأ وحينما يتذكر شيئا ما اسمه الطعام كان يذهب ليعد لنفسه شطيرة من الجبن الأبيض مع كوب من الشاي، عدا ذلك لم يكن سوى الذهاب إلى المقهى المجاور لمنزله للعب الشطرنج وسماع ثرثرات الآخرين في السياسة والكورة والنساء.. كان أصدقاؤه يثرثرون طويلا حول علاقاتهم الجنسية مع زوجاتهم أو مع غيرهن.

 

كانوا يتحدثون فى أدق التفاصيل بلا أي تحفظ يقهقهون ويتبارون فى حوارات مستمرة حول أيهم أكثر فحولة، وهو مستمع، مجرد مستمع دون انتباه أو تركيز دون أن تمس أحاديثهم شعرة من رأسه أو تثير غرائزه أو حتى نبضة من قلبه.. كان قد أغلق كل هؤلاء بالضبة والمفتاح، حتى وصلت إلى أن تندر الأصدقاء حول فقدانه لفحولته أو تخنسه بعد وفاة زوجته.

 

وعندما يخلو لنفسه عند النوم يظل ساهرا لساعات مع ماضيه بكل شقاؤه وتقلباته، كيف كان وكيف أصبح، كل يوم يمر أمام ناظريه شريط ذكرياته الطويل المليء بالأحداث والصراعات والمجاهدة الملئ بالحياة غير مصدق أنه تجاوز الستين، فقلبه لم يزل طفل يرغب في الحياة وينتظرها، رغم أنه وفي نفس الوقت قد أعطى لمشاعره وأحاسيسه وغرائزه إجازة منذ سنين مضت لم يعد يعرف عددها.

 

فجأة وفى إحدى مرات وقوفه فى الشرفة ينشر ملابسه لاحظ أن هناك فى الشرفة المقابلة فتاة غضة بضة لا تتجاوز نصف عمره تنظر إليه بنظرات نارية يصاحبها ابتسامة هادئة تنير وجهها كله.. دخل مسرعا وأغلق الشرفة وأنفاسه تكاد تنقطع، ما هذه بحق السماء؟ من أين أتت؟ ولم لم يلاحظها من قبل؟.

 

هويسكن فى هذا المنزل منذ عشرات السنين واعتاد دائما منذ وفاة زوجته أن يخرج للشرفة ناشرا ملابسه أو منظفا الأرضية، وكان يتحرج أن يقف ليستنشق الهواء قليلا نظرا للتقارب الشديد بين المنازل حتى لتستطيع أن تمد يدك فتمسك شعر جارتك وهي في المطبخ تعد الطعام أو في الشرفة تنشر الغسيل.

 

كان دائما ما يستمع إلى كل تفاصيل حياة الآخرين بما فيها علاقاتهم الخاصة خاصة يوم الجمعة وهن يتباهين بما فعلن وفعل أزواجهن ليلة البارحة.. وجد قلبه يخفق بشدة حتى ظن أنها نوبة قلبية، وأخذت أفكاره تدور ولم أنا؟ من الممكن أن يكون هناك شاب في الشرفة المجاورة هو من يبادلها النظرات.. وهل من المعقول أن تنظر لى فتاة كهذه وأنا أبلغ من العمر ضعف عمرها تقريبا.

 

اشتعلت غرائزه وتأججت رغباته وتمدد على الأريكة محاولا تهدئه خواطره ولم يخرج إلى المقهى ذلك اليوم، وفى اليوم التالي والذي يليه تكرر نفس الموقف هى تنظر وهو يشتعل ويدخل راقصا بعد أن يغلق الشرفة ويأخذ يدندن مع الراديو (أهواك) (أحبك فوق ما تتصور) (دوبنى دوب ياهوى)).

 

وعند النوم أخذها في أحضانه، قبلها كثيرا، خلع ملابسها، ومارس معها الحب بكل عنف الرغبات المكبوتة، وكل رقه محب حنون، صب فيها كل عذابات الوحدة وقتل في نفسه إحساس البلادة والنفور واللامبالاة التى عانى منها سنين طوال، وهي مستسلمة راضية مستمتعة منهمكة معه تذوب رقة وتطفو عنفا.

 

صحا من نومه في الصباح مبتسما على غير العادة، أخذ حمامه الصباحي وحلق ذقنه بعناية واختار من ملابسه أكثرها شبابية وخرج ليشترى فطورا وبعض الاحتياجات المنزلية، ابتسم في وجه البقال والخباز وبائع الخضار وتبادل معهم بعض الكلمات وسط دهشتهم الشديدة ورجع إلى منزله يصفر ويكاد يقفز على السلم قفزا.

 

وبعد الفطور أخذ يكوى ملابسه أمام الشرفة المفتوحة وهو يدندن مع أم كلثوم (حبيبى لما يوعدنى تبات الدنيا ضحكه لي)، ابتسم واستدار إلى الفتاة الواقفة خلفه فى الشرفة المقابلة قائلا في نفسه: "شكرا لك على ما منحتني من سعادة وبهجة في اليومين الماضيين، كنت محتاجهم بشدة".