حاتم صلاح السروي: الدين المفترى عليه

 
انتشرت ظاهرة الإلحاد في بعض أوساط الشباب بطريقة لافته فبات لزامًا علينا أن نقف منها موقف الدرس والمناقشة في محاولة منا لوضع أيدينا على أسباب تلك الظاهرة ومكوناتها ومناقشة ظاهرة موازية تتمثل في عجز المؤسسات الدينية الرسمية أو حتى غير الرسمية عن مواجهة الإلحاد الذي ينتشر كالنار في الهشيم.
أصبح الإلحاد موجة عقائدية سارية في الأوساط الشبابية وربما غير الشبابية أيضًا، زاد منها الوضع البائس الذي بدت عليه جماعات الإسلام السياسي ومتاجرتها الفجة بنصوص القرآن والحديث ومحاولة تطويع الدين باستمرار لاكتساب مواقع سياسية جديدة، وعلى الضفة الأخرى توارى دور الأزهر الشريف في المواجهة العلمية الصارمة المدعمة بالأدلة المنطقية لإثبات تهافت نظرية الإلحاد ودفع هذا الشر الذي يهدد عقائد الناس وتماسكهم الاجتماعي؛ وبالتالي أصبح خطر الإلحاد ينمو ويتسع في ظل مؤسسة رسمية عاجزة.
وكمحاولة مني لمواجهة تلك الظاهرة أردت أن أقدم لكم قراءة جديدة لكتاب "لمحات من أديان العالم" الذي قام بترجمته العراقي (صادق عبد علي الركابي) وصدر عن مكتبة مدبولي فيما يظل اسم المؤلف الأجنبي الذي أعد الكتاب الرائع سرًا لا يقف عليه إلا المترجم، ولست أدري ما الحكمة في ذلك.
يبدأ الكتاب بهذه الحقيقة الحية المعاشة التي نعرفها جميعًا فالدين سمة اجتماعية عامة لا يختص بها شعب دون آخر إذ هي توجد في البلاد المتحضرة والأقل تحضرًا سواء بسواء، كما توجد لدى المتعلمين من أبناء الشعب وهؤلاء الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، فهو فطرة إنسانية لا تحتاج إلى أدلة مادية ملموسة؛ فيكفي أن ترى القرويين البسطاء وهم يقومون فجرًا ليؤدوا الصلاة في خشوع وإيمان علمًا بأن تلك الساعة هي أعز وأغلى ساعات النوم، لكن الإيمان وحده يجعلهم يؤدون الصلاة في قناعة ورضا وبعدها يرفعون أيديهم بالدعاء عسى الله أن يرزقهم ويعينهم.
وهو ما يتكرر أيضاً لدى المسيحيين؛ الذين نراهم يهرعون إلى كنائسهم لحضور القداسات والمواعظ والاعتراف أمام الكاهن حتى يتطهروا من الآثام والخطايا ويقوم هو بالصلاة ليغفر الله لهم.
هذه اللحظات الروحانية عند المسلمين والمسيحيين تمثل خيوطًا لنسيج رائع نسميه "الدين" وبالإنجليزية religion ومعناها إعادة الربط، إعادة ربط الناس بحقيقة عظمى تقف وراء الإطار المحسوس الذي نراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا.
هذه الحقيقة ليست إلا وجود قوة مطلقة علوية هي التي خلقت هذا العالم على غير مثال سابق وأبدعت كل ما فيه وجعلت منه نموذجًا للدقة والنظام، وهذه القوة لا زالت تعتني بهذا العالم وتدبر شئونه وتسير دفته، كل هذا مركوز في النفس البشرية، بيد أن التعبير عنه قد اتخذ أشكالًا عدة.
ما هي تلك الأشكال؟ يخبرنا "صادق عبد على" بأن البعض آمن بالله كموقف شخصي بحت لا يرتبط بمنظومة من العقائد والتشريعات، وبالطبع فإن هذا الوضع غير محبب لدى أتباع الديانات، وهو إلى ذلك لا يستمر كثيرًا في حياة الأمم والأفراد الذين يندفعون تلقائيًا للبحث عن إطار من الأخلاق والعبادات والقواعد الإيمانية وهذا الإطار هو "الدين" الذي لا يفرض علينا اليقين بوجود الله فحسب بل يعطينا طريقة عملية ومنظمة لعبادته ويحدد لنا ما يصح في تعاملاتنا وما لا يصح، ويذكرنا دائمًا بحقيقة وجود الله ومراقبته لنا وحبه إيانا عن طريق الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه؛ فالدين إذن ربطٌ بين الإنسان وخالقه وإطار عام يجعلنا طوال حياتنا شاعرين بمعية الله مدركين عظمته طالبين رضاه، والدين خير وسيلة لتهذيب الإنسان وترويض الوحش الذي يكمن داخله لأنه ينشله من أوحال المادية والغرائز إلى صفاء الروح وطمأنينة القلب، وينزع منه صفات الأنانية والتكريس للذات والطمع والأثرة وحب الدنيا ويعلمه أن يعطي بلا مقابل وألا يرد الإساءة بالإساءة.
ويرصد لنا المترجم رغم ذلك حقيقة أن البعض يزعم كون الأديان تفرق بين الناس وتكبت حرياتهم وتهدد البشر بألوان العقاب في الجحيم وفي الدنيا أيضًا وتقف حائط صد أمام رغبتهم في الانطلاق والتحرر والنجاح بالأعمال والفنون، وهم يشرحون وجهة نظرهم فيقولون: "إن رجال الدين هم أصحاب نفوذ وسيطرة وحتى لو سلمنا بوجود الصادقين منهم وأصحاب النفوس الخيرة فإن بعضهم أو أكثرهم ذوو مصالح وأطماع ويمكن شراؤهم من الرؤساء والملوك وحينها يستغلون مواقعهم ويقومون بتخدير أتباعهم فلا يطالبون بما لهم من حقوق، وقد يعن لهم أن يسوقوا الناس كالأنعام لتأييد الحاكم ودعمه وإيهامهم بأن في هذا رضا الله ودخول جنته".
والمؤسف أن بعضًا من هذا الكلام تحقق على مدى التاريخ واستغلت فئة من رجال الدين السطوة الروحية في تنويم الشعب مغناطيسيًا ثم دفعت به إلى صناديق الانتخاب حتى يدلي بصوته لصالح جماعة الإخوان التي هي حزب سياسي محض لا علاقة له بالدين من قريب أو بعيد.
ورغم كل ما سبق فالدين براء ممن يتاجرون باسمه وهو لا يطلب من أتباعه تأييد رجل وترك آخر كما أن ممالأة الحاكم ليست من ضروراته ومبادئه بل إنه يأمر الناس برفض الظلم والأخذ على يد الظالم حاكمًا كان أو محكومًا.
أما عن الكبت فإن مهمة كل دين أن يساعد البشر في نفض الغبار عن إنسانيتهم وتطوير وعيهم العام حتى يتأكد الفرق بين الآدمي والحيوان؛ وبالتالي فإن هذه الضوابط الأخلاقية التي يحفل بها كل دين ليست للحجر والتقييد وانما هي لصالح الإنسان أولًا وقبل كل شيء فهي تكبح جماح غرائزه وتقنن رغباته حتى ينحصر الشبه الذي بينه وبين عامة الثدييات في التشريح العام للجسم وخواص الأعضاء فقط.
وللأسف الشديد فقد ظهرت النزعات المادية في العصر الحديث جلية واضحة، وأخذت تحارب الدين بلا رفق أو هوادة زاعمه أن العالم المحسوس هو العالم الوحيد الموجود حقيقةً وما عدا ذلك فهو محض اختراع بشري صنعته خيالات الأولين.
ويعرض لنا صادق عبد على نبذة من تاريخ الإلحاد في العصر الحديث بدءًا من "لودفيج فيورباخ" والذي عاش بين عامي 1804 و1872 حيث قدم أدلة نظرية فند بها وجود الأرواح والكائنات الغيبية وارتأى كون الآلهة انعكاس لرغبات الناس ومخاوفهم، وسار على النهج ذاته عالم النفس "سيجموند فرويد" الذي وصف الدين بالوهم العام والعصاب المسيطر على ذهن الجماعات، وانعكاس لعلاقات مركبة بين الخوف والمحبة نشعر بها تجاه آبائنا، والإيمان لدى فرويد وهم نابع من شعور طفولي بانعدام الأمان وشعور بالذنب هو أقرب ما يكون للمرض العقلي! ومحاولة من جانب الأفراد للهروب من حقيقة عدائية الكون وعدم اكتراثه بالإنسان.
أما كارل ماركس 1818-1882 فقد عزا الدين حسب نظريته للعامل الاقتصادي ورغبة الطبقات المستغلة والحاكمة في مص دماء البشر، ويرى أن الدين ورجاله ساهما في التكريس لأصحاب المُلك والمِلكية، وأن الفئات الكادحة حين تفشل في تحقيق آمالها تلجأ للميتافيزيقا وتحيل مطالبها إلى جوائز غيبية تنتظرها بالعالم الآخر "فالإنسان هو الذي خلق الله وليس العكس والدين عاطفة في عالم متحجر وتنهيدة المظلومين وروح صنعوها في ظل أوضاع حياتية بائسة معدومة الحس والمشاعر إنه باختصار أفيون الشعوب".
ودعا ماركس لإلغاء الدين كونه سعادة وهمية من شأنها تحجيم الناس عن الحقد والغضب ومحاولة انتزاع حقوقهم عبر ثورة الكادحين، ودعم هذا الرأي بعض رجال الدين عن غير قصد منهم حيث فسروا معاناة الفقراء بأنها عاقبة آثامهم وخطاياهم وبالتالي يجب ألا يساعدهم الناس بل يعتبروا منهم فقط.
ثم جاءت "اللا أدرية " وهي لا تنكر وجود الإله ولا تؤيده وشعارها ما يستحيل نفيه علميًا يستحيل إثباته علميًا والعكس أيضًا صحيح؛ وبالتالي فحتى لو كان الله موجودًا فمعرفة ذلك غير ممكنة!، وكان رائد هذه المدرسة العجيبة "هكسلي" وقد عاش بين 1825 و1895.
واليوم يعيش في مصر ملحدون ينتمي بعضهم إلى "الشيوعية" والبعض من شباب الملحدين لا يرتبط إلحاده بالمذهب الشيوعي أو بالنظرية الماركسية، واللافت للنظر أن موجة إلحادية مرعبة بدأ ظهورها في العقد الأخير
متي يواجه الأزهر ظاهرة الإلحاد؟.
نعتقد أن إشاعة الثقافة الدينية المعتدلة والنهوض بالأزهر الشريف كمحفل علمي عريق وذو باع في خدمة الإيمان والشريعة هو رد عملي على موجة الإلحاد من ناحية والتطرف من ناحية أخرى وكل محاضرة علمية أو كتاب ديني يكون منظم الفكرة محدد الغاية عميق النظرة جيد الأسلوب كفيل بتفنيد شبه الملحدين، إن علماء الأزهر الشريف عليهم أن يقوموا بدورهم الأصيل في تقريب روح الإسلام وتعاليمه الراقية إلى أفهام الناس باختلاف مراتبهم ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية وذلك ليتمثلوها ويعملوا بها ولا تنطلي عليهم ألاعيب الملحدين وأيضًا حتى لا يقعوا فريسة لجماعات العنف والتخريب، فهل يقوم العلماء بدورهم أم يبقى الدين الحنيف بين جهل أبنائه وعجز علمائه؟