يمنى محمد تكتب: بين البر والبحر.. حدوتة الغجرية والبحار

منذ زمنًا بعيدًا، كانت هناك غجرية خمرية اللون تسير بحثاً عن ذاتها وحلمها وحريتها، جالت أقطار عديدة في الأرض، لم يعرف لتلك الغجرية أصل سوى أنها هائمة في الأرض وأينما تضع أقدامها يصير محل أقدامها موطنها، تنتمي للأرض كانتماء شجرة عمرت جذورها آلاف السنين.

كانت ملامحها تنتمي إلى هذا الكون الذي اختارته لنفسها فقد كان لونها يشبه لون الغروب أما عيناها فقد شبهت بانعكاس ضوء النجوم على بحيرات صافية في إحدى الليالي الشتوية وحركاتها ماثلت حركات الأرض أثناء زلزالها وثورتها كانت كثورات بركان غضبان، وإذا تحدثنا عن شعرها فقد كان أشد من الليل سوادًا وخصيات شعرها في تمايلها كانت مثل أغصان الأشجار في تمايلها مع الرياح. كانت تنتمي إلى الحرية بكل صورها؛ كانت تشبه الدراويش في سعيهم لكنها كانت تسعى بحثاً عن ذاتها.

أما عن ذلك البحار الذي هام في كل الخلجان والبحار والمحيطات باحثاً عن شيء لم يعرف ماهيته لكن كان قد شعر به، أضحى ذلك البحار يبحر في كل المحيطات كأنه قد ولد ليقضي عمره في البحار، أبحر من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب دون أن يعرف إلى أي اتجاه يسير، لم يكن يعرف سوى أنه يبحث عن مغامرة لم يجدها في كل العواصف التي واجهها أثناء الإبحار أو مع أي من حبيباته في كل الشواطيء، كان هائما في البحار كأحد أبنائها.

وعلى نقيض كل من ركبوا البحار فقد استخدم روحه وحدسه كشراع وخارطة تدله في البحار، كان يسعى سعياً لا يعرف له نهاية، كان كل مرة يحاول فيها أن يصل إلى إجابة عن سؤاله "لماذا" تبوء بالفشل، فاستسلم على عكس البحارة إلى الأمواج التي ماج بها صدره، استسلم لقدره الذي لم يعرف له مظاهر كما لم يعرف لهيامه للبحار يوما سبباً.

وقد كان بحارنا اعتاد ألا يبحر قرب الشؤاطئ، كما لم تكن خمرية اللون تجرؤ أن تخطو إلى مياه البحر، لم يعرف البحار يومها لماذا اقترب تلك المسافة إلى الشاطئ فكأنما المركب كان هو قائده وليس هو قائد المركب، كما لم تدري الغجرية أيضاً سببا يجعلها تقترب من رمل الشواطئ الذي طالما بغضته كأنما الرياح قد دفعتها نحو هذا المكان متحدية طبيعة الغجر -الحرية-.

وقفت الغجرية ترمق البحر الذي امتنعت عنه فترة طويلة رمقة حنين واشتياق، أما البحار فقد كان افتفد أن تلمس قدماه الأرض.

فكرت الغجرية أن تكمل طريقها نحو البحر الذي لم تجرب أن يلمس مائه جسدها يوما، أما البحار الذي كان قد نسي ملمس الأرض فكر أن تلمسها قدمه مجدداً، وفي أثناء تجوال تلك الأفكار المحرمة داخل رأسيهما وقبيل تنفيذ القرار بلحظات.

رمقت تلك الغجرية ذاك البحار بعينين سوداويتين لهما صفاء لم يعهده في أي من المحيطات التي أبحر بها أو تلك الأجساد التي غزاها، رمقته نظرة قلبت قدره رأساً علي عقب، أنسته حتى جنون البحر فقد كان في عينيها نوع من المغامرة الني بحث عنها ولم يعدها قبل.

كانت عيناها تضيف أضواء صافية علي البحر يغوق انعكاس ضوء القمر على البحر، أما الغجرية فقد رأت داخل عيناه أرضا لم تدهسها قدماها من قبل فقد كانت عيناه مثل جوهرتان سقطتا من أرض جنان الله لم ترى مثلهما في كل الأرض.

كانت هذه اللحظة من اللحظات النادرة التي يتوقف فيها الزمان والمكان والأنفاس والأرواح وكل معالم الحياة، لحظة يصبح فيها الكون مشاهدا للبشر ويصبح البشر أساس الكون، كانت لحظة توقف عندها الوقت ليشاهد ميلاد ضربا جديدا من ضروب الحياة.

لحظة وجد فيها البحر مستقراً له في البر، ووجد فيها البر أنيسا في البحر، لحظة وجدت فيها الغجرية الأرض التي تستقر بها ووجد فيها البحار البحر الذي سيقضي عمره مبحرا فيه، وقد قيل يوماً أن بحارا قد عشق غجرية فتوقفت ساعات الكون وبدأ معني جديد لحياة بين البر و البحر.