أميمة عبد الشافي تكتب : أحلام يناير

 

مازلت أفكر كثيرا بالفشل،

اقتنعت أخيرا أن ثورة ما مرت من هنا؛ لكنها فشلت،

فما معنى الفشل الحقيقي؟

أميل أن أعرفه كقصور في تحقيق الأهداف المباشرة التي خرجت من أجلها ثورة 25 يناير 2011، لكنني – متلبسة حالة الفنان – أرى في الفشل أشياء جميلة،

جربت عن قرب هذا الزلزال الذي اجتاح مشاعرنا في هذه الأيام،

جربت خيبة الأمل، والصدمة في الأقارب والأهل مع استفتاء مارس!

جربت البهجة والألفة للصحاب والرفاق،هؤلاء الذين نختلف معهم يوميا، ونكتشف في لحظة كهذه مدى تشابهنا،

صدقت إكلشيهات لطالما تمردت عليها،

صدقت أن الإنسان يظهر معدنه في المواقف،

وصدقت أننا يمكننا أن نعبر عن أفكارنا في أمان تام،

حتى أنني سامحت نفسي على إنجاب طفل في بلد كهذه،

نعم، كنت أحتاج هذه الثورة كي أمر أنا أيضا من لحظة حبستني بداخلها، وأحكمت عليّ،

 كنت أحتاج أن أؤمن مرة أخرى بأي شيء،

 كنت أريد أن أتصالح مع عالمي وأصدقائي وولدي، وقد كان أن منحتني هذه الأيام أكثر من هذا، كانت لحظتنا المهيبة في "بحري" ونحن نسمع بيان التنحي في قهوة شعبية غريبة جدا، برفقة زوجي عبد الرحيم يوسف والصديقين سامي إسماعيل، وأحمد مصيلحي" لحظة تاريخية بكل المقاييس، نحن الأصدقاء الذين جمعتنا الكتابة وحلم التغيير بالثورة.

 كان يوما مهيبا بكامله، لقد سد الشارع الداخل حتى قصر رأس التين بالأنفوشي على امتداد مئات الأمتار بالأجساد البشرية،

 حالة احتفالية رهيبة سبقت قرار التنحي، وحالة من الهيستريا الفرحة تلت سماع البيان،

جرينا في الشوارع وصولا إلى ميدان محطة الرمل المبارك، والذي اعتبرناه موطن الثورة، امتزجنا في احتفالات بدائية حلوة،

 هاتفنا أهلنا ومعارفنا الذين توجسوا طوال الوقت من الخروج في مظاهرات الثورة، لكنهم كانوا يريدون لنا أن ننجح،

وهاتفنا آباءنا الذين حاولوا منعنا، ونحن نزف لهم خبر نجاحنا المتعجل، ونستقبل منهم تهاني مصطنعة ولفت انتباه بأن الحياة ليست بهذه البساطة!

 البساطة، بعد كل هؤلاء الشهداء،

 البساطة، بعد كل هذا القلق والتوتر الذي حظينا به،

 البساطة، لقد تسمرت أمام خطاب مبارك الباكي يوما وظننت أنني شللت، والله، كانوا يتحدثون عن الفشل!

أي بصيرة سوداء تلك؟ أم هي أمنياتهم التي يعتبرونها طيبة؟

 لكننا فشلنا لأننا اضطررنا أن نشاركهم في الحكم على النظام السياسي السابق،

كما شاركونا في اختيار النظام الجديد، فبدأوا يتحدثون عن الجنة، وعن الأمان، واعتبر الجميع أنفسهم ثائرين.

 

نعم كانت لنا ثورة جميلة، صالحتنا على سنوات طويلة من الإحباط قبلها، وأورثتنا الكثير من القمع والفقد بعدها، لكنها مرت كضيف جدير بالتذكر دائما، وعلمتنا أن نثور ولو بقدر بسيط على واقعنا المحيط، علمتنا أن في رفقتنا أحلاما متشابهة، ربطت بيننا وبين أصدقائنا، وتركت لنا حزنا نقسمه ما بيننا بالتساوي على رفاق رحلوا ورفاق سلبت حريتهم، كما تركت لنا أملا أن نستوعب الدرس ونتعلم، تركت ذكرى يناير 2011 تاريخا لنا.