داليا فاروق تكتب: أبي.. لقد رفضت العنف وجعلتني أفتخر بك

 

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، تذكرت طفولتي وكيف أصبح والدي أول بطل في حياتي وأعطاني مثلاً في أن القوة لا تعني العنف وأن المرأة يجب أن تُحترم.

 

كنت في الثامنة من عمري عندما سمعت أصوات صراخ قادمة من إحدى شقق الجيران، وشعرت بالفزع وبالرعب مثل أي طفلة تستمع لأصوات العنف والإهانة، لم يتردد والدي وخرج من شقتنا وتوجه لشقة الجيران في ثواني، وفي هذه اللحظة شعرت بالفخر والحماية.

 

كان أبي هو الرجل الوحيد الذي قرر التدخل لإنهاء "علقة الموت" كما وصفها بعض الجيران ومواجهة عنف زوج تجاه زوجته وأم أطفاله، أتذكر نظرة الإطمئنان في أعين والدتي لأن مثل هذه الكارثة لن تحدث معها.

 

عندما عاد أبي لمنزلنا، مكث صامتاً قليلاً ثم تحدث غاضباً عن مدى كراهيته للعنف ضد النساء، وبالرغم من مرور سنوات عدة على تلك الواقعة، أتذكر جيدا قوله "اللي يستقوى على مراته أو بنته أو أخته جبان" في هذه اللحظة شعرت بالقوة والأمان، لقد أصبح أبي بطل في نظري بكل معنى الكلمة.

 

إلا أنني شعرت في هذا اليوم بخوف من كل رجل ماعدا أبي، هذا الخوف مازال مستمر معي حتى يومنا هذا، عندما أرى أي زوجين اتساءل داخلي "هل ضربها أو أهانها أو حتى فكر في ذلك يوما ما"، لقد أصبح الأمر مثل ندبة  لاتزول محفورة بداخلي.

 

لقد تكرر هذا الأمر في السنوات اللاحقة وقام أبي بالتدخل، كانت المساعدة تتلقاها جارتنا فقط لدى تواجد أبي، لكن أثناء غيابه يستمر الصراخ بدون مساعدة أحد، وبالرغم من مرور أعوام على وفاته مازلت جارتي عندما تراني تتحدث عنه ولم تنسى وقوفه بجانبها.

 

الغريب أن هذا الزوج لم يبدو عليه معالم العنف بل بالعكس تماماً فقد كان يبدو هادئاً ومجاملاً مما جعلني أخشى من الثقة في أي شخص قد ينقلب ضدي في أي لحظة، مازلت لا أعلم حتى الآن سبب ضربه لزوجته ولا سبب غضبه عليها، إلا أن حديثا خافتا بداخلي يردد يصر على أن ما أيًا ما فعلته الزوجة لا يمكن أن يبرر تطاوله عليها.

 

"شخص لا أخشاه وأثق في ردود فعله" هذه هي إجابتي الدائمة عندما يسـألني أحدهم عن مواصفات "فارس الإحلام"، فمتى يدرك الرجل أهمية أن يكون مصدر فخر لابنته مثلما فعل أبي، وأن عليه ألا يصمت أمام وقوع الظلم عليها ولا يدع امرأة تُهان أمامه وألا يتجاهل معاناتها، وألا أن يبرر العنف ضدها، عليه أن يتذكر دوما أن المرأة هي والدته وشقيقته وابنته وقبل كل ذلك هي إنسان مثله.