نادين بدراوي تكتب: رمادية المشاعر وألوان الخيانة

بين الأبيض و الأسود تهدر حياتنا فقد تفقدنا الأحكام القدرة علي رؤية الألوان للأبد. نعيش وسط أناس يعشقون التصنيف و الأحزاب لأنهم بذلك يعرفون أنفسهم و قد يوصموننا فننصهر في درجات الرمادي البائسة المعتمة بلا أمل في العودة لصفاء الأبيض أو حتمية الأسود.

أنظر حولي و لا أري شيئاً غير الهروب المتكرر و الكذب المبتذل الذي يشكل نوعاً جديداً من الهروب. حتي خلف الأبواب المغلقة و حيث اختلاء الذات بنفسها أري حرباً لا تصالحاً ولا حتي سلاماً أو هدنة مؤقتة. أري الناس يتبعون أنماط التدمير الذاتي و ترهقهم رقع المجتمع و الحاجة إلي التصنيف الدائم. أري عائلات مفككة أفرادها منسيون كأنهم غير مرئيون. أي أطراف خارجية منبوذة لا مكان لها ولا مأوي غير دفئ تلك العائلات و إن كان زائفاً فالأرواح المعذبة تجد سكينتها في التشابه و تدرك أنها ليست وحدها و انه يوجد حل سحري لوحدتها الدائمة فتخون.

لا أكترث كثيراً لقدسية الزواج فأي علاقة زالت منها المحبة فقدت بالضرورة قدسيتها. لأقوم بتعريف الخيانة علي أن أبدأ أولاً بتعريف الحب.

الحب الذي نعرفه في هذا العالم هو المسئولية المفروضة الدائمة و الإلتصاق المرضي. حبنا أحادي متطلب لا يعترف بآدميتنا و يضعنا في منزلة نظرية منزهة لم نخلق لنرتقي إليها و تأتي التجارب لتثبت ذلك و لكن بلا جدوي. أغلب حبنا يتحول مع الوقت إلي إلتزامات اجتماعية وجبت علينا لم نختارها و قد نكون لا نريدها. تزداد القيود حتي حتي تختزل مشاعرنا في تعلق زائد بأشخاص أو بإسلوب حياة معين. و لأننا لا نعرف الفرق بين الحب و الزواج يسيطر الإحباط علي جميع جوانب حياتنا.

الحب في حقيقة الأمر شعور مجرد من أي إلتزام عدا الصدق فهو عطاء تظهر فيه قيمة الآخر قبل قيمة الذات أو تكون هي ذاتها. لا نملك أن نمنع المشاعر او نحاربها فقط نحاول إستيعابها. أما الزواج أو الإرتباط كفكرة هو مشروع له حساباته الخاصة و مكاسبه و خسائره و اطرافه المتعددة الأكثر تعقيداً من أطراف الحب. فالحب كالطبيعة له طرفين فقط حالتين و نقيضين فحين تمتزج النفس بالنفس تتسع إمكانية الكون كشروق الشمس في لقائها مع الأفق. في تلك اللحظة يتكاثر الحب و يتحول إلي عشق فيخلق شروقاً بعد الآخر و إنساناً بعد الآخر. لفظ عِشق من مشتقات عَشِقَ و فعله عَشَقَ و هو دارج في وصف أعمال مزج الخشب و معناه إدخال طرف في الآخر و تثبيته فيه لا عجب أننا نستخدم تعبير “لوح خشب” للتشبيه بالبرود ففي التعشيق دفئ. نحن أجسام باردة كألواح الخشب يعطينا العشق معني فنُكَوِن معاً حالة من الراحة. العشق سكون في القلب ينمو و يسري في دمائنا حتي تتصاعد حرارته و يقودنا إلي الحركة فنمارس عشقنا بشكل فعلي يعطيه قيمة ملموسة. يشبهونا بالحيوانات حين نفعل و قد نسوا أن الحيوانات لديها مشاعر أيضاً و أنها جزء من الطبيعة التي نشبهها. رقينا في صدقنا و ليس لعقلنا افضلية كبيرة نظراً لما نراه في العالم الآن فنحن مشوهون لا نستخدم العقل كثيراً و قد تكون حيوانيتنا في بعض اللحظات هي أسمي معانينا الإنسانية. العشق يحتاج السكون و الحركة ليتعرف علي كلاهما و ليؤكد الحب و يجدد دوافعه.

أي إنسان ولد و وجد دون إدراك حقيقي لمعني العشق و حول طاقة لا تدرك أهمية الحس ينقصه شئ ما يظل يبحث عنه طوال حياته قد يجده او لا يجده و أحياناً كثيرة يجده في الخيانة.

منذ عدة أيام شاهدت فيلماً أمريكياً يدعي “جسور مقاطعة ماديسون” بطولة ميريل ستريب و كلينت إيستوود و هو أيضاً من إخراجه. الفيلم مأخوذ عن رواية بنفس الإسم للكاتب روبرت جيمز واللر. تحكي الرواية قصة فرانشيسكا زوجة و أم من أصول إيطالية في منتصف الأربعينات تعيش في منزل كبير بحديقة و أرض زراعية خارج حدود

المدينة. يسافر زوجها مع أبنائها الاثنان لمدة أربعة أيام تقرر فيهم أن تسترق بعض الوقت لنفسها. يأتيها روبرت مصور لمجلة ناشيونال جيوجرافيك يسأل عن إرشادات ليصل لأحد جسور المقاطعة ليصوره فتصتحبه إلي هناك و نري في عينيها توقاً لشئ لا تعلم هي حتي ماهيته. نراها في اول الفيلم تعاني من الإهمال في صمت يدخلا زوجها و إبنها إلي المنزل من باب المطبخ لتناول العشاء فيتركونه بلا اعتناء ليغلق بعنف يفزع هدوءها تنبههما مراراً و تكراراً و لكنهم لا يسمعونها تأتي ابنتها و تغير تردد المذياع من أغاني البلوز الهادئة التي تحبها أمها إلي موسيقي صاخبة تليق بمراهقة. تحضر فرانشيسكا لهم الطاولة و تحاول أن تنظر إليهم لبعض الاهتمام و لكنهم يبدأون في تناول الطعام و تحاول أن تذكرهم بصلاة الشكر لعلهم يشاركونها فيها و لكنهم لا يكترثون. لا يلاحظون صمتها و لا حتي انعدام رغبتها في تناول الطعام.

في غضون أربعة أيام فقط تعيش فرانشيسكا قصة حب لم تشهدها طوال عمرها بل و لم تحلم بها. في أربعة أيام فقط تراودها الخيانة عن نفسها فتجد غريباً حاضراً في حياتها منتبهاً إلي رغباتها التي لم تصرح هي عنها و لكنه يدركها و ينظر إليها و كأنه سيفقد البصر بعد رؤيتها نظرات جمعت اهتمام العالم في عينيه. و نراه يحمل الباب في هدوء خروجاً و دخولاً دون أن تطلب هي منه شيئا ثم يبحث في المذياع عن تردد موسيقي البلوز مثلها و يرقصان علي أنغامها و هما يقاومان القبل حتي أنهما يظلان يتنفسان في أفواه بعضهما لثلاث دقائق لا يعلمون ماذا هم بفاعلون.

يرحل روبيرت في اليوم الرابع و تقرر هي أن تظل مع عائلتها لتحتفظ بذكري حبهما ولا تلومه علي تعاستهم إن رحلت معه. ثم نري أولادها بعد وفاتها يقرأون مذكراتها و هي تروي تفاصيل حياتها و حبها و تقول أنه لم يمر يوماً لم تفكر فيه في روبيرت حتي تأتي مهمة منزلية تبدو كالمنقذ و المخلص الذي يلهيها عن التفكير فيه.

بالرغم من شاعرية و رقة هذا الفيلم إلا إنني حين تاملت القصة وجدت أن خيانتها لم تكن في الأربعة أيام فهي لم تفعل شيئا في تلك الأيام سوي أن تكن نفسها و لكن لبقية حياتها كانت شخص آخر يبحث طوال الوقت عن أسباب ليصرف انتباهه عن هواه كالأنسان الآلي أصبحت مبرمجة علي العمل و خلقه إن لم يوجد. قد تكون تضحية لعائلتها أو لصورتها أمام نفسها لا يستطيع الحكم علي ذلك غيرها.

أحياناً تكون الخيانة مشروعة و الخطيئة ليست في القرب من روبيرت و لكن في بعدها عن زوجها. هذا العالم للأسف لا يعلمنا التعبير عن مشاعرنا و يعتبرها ضعف و تنازل و شركاؤنا لا يعطوننا أبداً الحق في الحب الغير مشروط. أتصور إن صارحت فرانشيسكا زوجها بحقيقة مشاعرها قبل أو بعد لقائها بروبيرت لكانت عاشت سعيدة بعض الشئ. عاشت فرانشيسكا حياة رمادية فلا هي سجينة زواج بلا محبة لم تعرف معناها في حياتها ولا هي حرة في حدائق العشق و ألوانه عاشت بائسة لا تعلم من الألوان غير الرمادي تشتاق لشئ لم تعد تملكه. هي لم تخن ريتشارد زوجها لأنه لم يكن موجوداً في الأصل فهو كالحاضر الغائب بالرغم من طيبته و لكنها غالطت المنطق و أصرت علي إثبات وجوده و آثرت الوجود الجسدي علي الوجود الحسي فخانت طبيعتها.

ينقصنا شيئاً بشكل دائم قد لا يستطيع شريك حياتنا أن يقدمه لنا و قد نكون أخطأنا الإختيار و أغفلنا التغيير و تحكمنا حساسية الآخرين أو ظروفاً أخري تمنعنا من التواصل. فنجد ذلك الشئ العنصر المكمل لمعادلتنا في عيون أخري و في دفء يد أخري. نحن نريد السعادة ولا شئ غير السعادة أياً كانت صورها وفقاً لرؤيتنا المحدودة سواء أن كانت تذكر أو نسيان أو عطاء أو حرمان.لا أعتقد أن السعادة هي أن يكون طرف في علاقة ما تحت السيطرة الحذرة طوال الوقت و كأنه سجن اختياري أبوابه مفتوحة و لكنه يمنع نفسه عن ضوء الخروج.

إذا تحول العشق إلي هوس فيه عزلة و ذاتية و تحولنا نحن إلي أشخاص كريهة مؤذية مهملة لعائلاتها ليس لديها قدرة علي العطاء إلا في العلاقة الموازية و أصبحنا متبلدين المشاعر تجاه أناس شاركناهم عمراً بأكمله فنحن خائنون للأصل و العشرة و إذا تحولنا لأشخاص فظة و غاضبة تريد الكثير من كل شئ و الآن امتثالاً بثقافة المكسب السريع فتلك ليست محبة.

أما إذا وجدنا القدرة في داخلنا علي تجاوز الذاتية و إدراك قيمة علاقتنا الأساسية و الموازية و خلقنا مساحة من التوازن نعطي و نرعي فيها كل الأطراف بما فيهم أنفسنا قد يتحول مبدأ الخيانة إلي نوع من المشاركة المجتمعية و دواء يُمَكننا من الاستمرار في العطاء و في الحياة. وجود طرف لا يعني القضاء علي الآخر أو استبعاده و تلك المساحة من المشاركة تطلب السرية و الحرية للرجل أو للمرأة و أيضاً الإدراك التام أننا لا نستطيع أن نمتلك شخصاً مهما كانت صلتنا به فلا مكان للاستحواذ في المحبة. تلك الحالة من الحب تصيبنا أحياناً بشئ من تداعي الضمائر قد تعزلنا عن الوجود و نولد في وجود آخر يبرر لنا عدم قدرتنا علي تفسير مشاعرنا لجميع الأطراف بما فيهم أنفسنا لذلك فالشفافية مطلوبة دائماً فيكفينا عبئ التفسير. و لكن للأسف هناك حقيقة غائبة علي معظمنا فالشفافية نوع من أنواع الرقة قد تكون أحياناً مستحيلة فكما قال الفيلسوف الأمريكي ثوماس بيين “الجدال مع شخص تخلي عن استخدام و سلطة المنطق و تتكون فلسفته في إزدراء الإنسان هو كإستخدام الدواء مع الموتي أو السعي لإيمان ملحد من خلال النصوص المقدسة.”

كل ما علينا هو أن نتأكد من دوافع هروبنا من المواجهة إن كانت نرجسية أم فيها رعاية لشعور الأطراف الأخري و إدراك لمحدوديتهم. قد يدعي البعض أن الخيانة هي الطمع و الكذب و انعدام الصدق و مخالفة توقعات الآخر و لكن في حقيقة الأمر هي الأنانية و انعدام التواصل و الشفافية في سرد تلك التوقعات. فالخيانة ليست خطيئة لتغتفر إنما ظاهرة بشرية عالمية وجب تأملها ثم تفهمها. استبعاد الخيانة أو رجمها أو حتي تجاهلها فيه إزدراء للإنسان و عدم اعتراف بقدراته المحدودة احياناً. سواء أن كانت الخيانة شعوراً أو ممارسة لا يهم فالفعل لا يعني شيئاً إلا فقدان السيطرة و هذا أيضاً ضعف إنساني طبيعي. نحن مشاعرنا فحسب و لكن تحكمنا أفكارنا و تصنيفاتنا فسوادها سوادنا و رماديتها رماديتنا و بياضها بياضنا و تفني اختياراتنا بين ثلاثتهم لذلك لا ينصح ان نحب بعقولنا لأنها محدودة الألوان و الخيارات تسلب روحنا بعيدا عن القلب فنضيع كما ضاعت حياة فرانشيسكا.

أخبرني معلماً لي ذات مرة أن النضج الحقيقي هو إدراك عجزنا الشخصي و ليس عجز العالم. اعتقد أنني إن شائت الأقدار أن أكون في علاقة لا أقدر فيها علي تلوين الحياة سأترك لشريكي حرية البحث عن درجات ألوان تلائم أشواقه إدراكاً لعجزي و رحمة به كما يفعلون الأزواج حين لا يقدرون علي الإنجاب فنحن لا ننجب أطفالً فقط بل و مشاعر و ألوان أيضاً و أود أن أظن أنني سأُمنَح الحق مثله. و أتمني أن ندرك جميعنا أن الأطراف الأخري ليست مسلمٌ بها علي الإطلاق.