مريم سعد تكتب :داعش فى البارات

لا يمكن التيقن من صحة أو خطأ أفكارك دون التعمق في مجتمعك ومخالطة التوجهات المختلفة، فالتعليم بالتجربة كان أفضل طرق التعلم، فهو الوحيد الذي أخرجني من إطار الحكم على الأشياء من خلال المظاهر فقط.

فعلى الرغم من مرارة التجربة والمعاناة جراء تأثيراتها، إلا أن فائدتها كانت أعظم بكثير من أضرارها. فهذا هو غالبا ثمن المعرفة، إن الرحلة وإن قصرت، فهي مليئة بالأحداث، ولن أتوقف سوى عند أهم محطاتها.

المحطة الأولى كانت ثورة 25 يناير 2011، حيث كانت السبب الرئيسي في انفتاحي على المجتمع ومقابلة أناس لم أكن لأحلم بالتحدث معهم، سواء في الميدان أو في اللجان الشعبية، مؤيدين للثورة أو كارهين لها.

صار لي أصدقاء من مختلف التيارات السياسية، ومن محافظات مصر سائرها، وكانت فرصة جيدة للتحدث والتعرف على الآخر وأفكاره. كم كان جميلا إحساس الحرية والدفء، وكم كانت جميلة تلك الهتافات التي تدوي في أركان المكان "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية"، شعور أقرب إلى النهايات السعيدة في أفلام السينما.

رسمت أحلاماً وطموحات، توهمت أنني سوف لن احتاج للهجرة صوب بلاد الحرية، وأنه بالإمكان أن أكون حرة في بلدي حيث جذوري. اعتقدت أن يوم التنحي هو النهاية، ولكنها كانت مجرد بداية.

المحطة الثانية كانت ما بعد التنحي، حيث أنها كانت مرحلة الاختبار الحقيقي للمطالب علي أرض الواقع . وهي المحطة الأكثر دقة، حيث أنها بداية ظهور الوجوه الحقيقية للتيارات السياسية وبالأخص التيارات اليمينية المتشددة.

بعد أن كانوا شركاء ميدان واحد، أصبحوا يطالبون بالحكم الإسلامي ويطالبون بتطبيق الشريعة فتحولت الكثير من الوجوه التي أصبحت مألوفة آنذاك، من وجوه مبتسمة إلى وجوه قاسية على استعداد لقتال من شاركوهم الميدان والمأكل والأحلام!

ظهرت بكل وضوح العبارات التكفيرية للعلمانية واليسار والليبرالية، فقاموا بتوزيع منشورات ضد كل من يعارضهم وقسموا الناس إلى معسكر الإيمان ومعسكر الضلال.

انقسم التيار الإسلامي المتشدد قرب الانتخابات البرلمانية في نهاية العام 2011 وباتوا يهاجمون بعضهم البعض، بل وصل الأمر لتعاونهم مع النظام الذي هتفوا ضده من أجل تحقيق مآربهم ومطامعهم. على الجانب الآخر كانت باقي التيارات منخرطة في مشكلاتها وأيدلوجياتها، لمحاولة إثبات الذات على حساب الأطراف الأخرى.

ظهر حينها المنتفعون في جميع الأحزاب التي ظهرت بعد الثورة أو التي كانت موجودة بالفعل قبلها. فكانت النتيجة الطبيعية هي فوز التيار الإسلامي بأغلبية المقاعد في البرلمان.

ثم جاءت محطتي الثالثة، أو محطة التشبث بما تبقى من أحلام الثورة وشعاراتها، وفي القلب منها شعار الحرية والعدالة الاجتماعية.

جاء هذا التشبث في هيئة تواجد من تبقوا من رفاق الميدان الثابتين على المطالب حول بعضهم البعض، أي تكوين صداقات شخصية بعيدة عن الأحزاب والمظاهرات والاجتماعات، مجرد أصدقاء! في البداية جمعهم حلم العودة واستكمال ما قد حلموا به ذات يوم، وإن لم يفصحوا عن ذلك علانية.

اعتقدوا أنهم يشبهون بعضهم البعض في الأفكار والمعتقدات والتوجهات والأحلام والأهداف؛ لكنه كان مجرد اعتقاد خاطئ، اتضح خطؤه بعد القرب والاختلاط والاندماج والسفر والخروج؛ بل وحتى منشورات مواقع التواصل الاجتماعي وردود الأفعال عليها.

أما المحطة الرابعة فهي مرحلة اليقين بأن ميزة ثورة يناير الوحيدة أنها بمثابة انفجار لماسورة المجاري بداخل نفوس الجميع، حيث ظهور ذاك الكم الرهيب من التناقض، فهذا مقتنع بحرية التعبير والرأي والفكر والملبس وحقوق المرأة؛ لكنه يعاقب شقيقته إن تأخرت عن المنزل ويمنعها من السفر مع أصدقائها.

وقد تجد إحداهن من تذهب معه للبارات لكنها لا تشرب؛ بل تكتفي بالرقص حتى الفجر في الديسكوهات وترتدي البيكيني والمونوكيني بل وتوهم ذويها أنها في مكان آخر! لكنها وبعد هذا و ذاك، تجعل نفسها مدافعة عن الله، (مجاهدة إلكترونية) تشتم الملحدين واللا دينيين، وتشتم حتى أصدقائها الذين شاركتهم أدق تفاصيل الحياة لمجرد كونهم يسألون أسئلة تخص الأديان، أو من ينتقدون مفكرين إسلاميين أو شخصيات دينية تاريخية؛ بل وصل الأمر إلى التلويح باللجوء إلى القضاء ورفع دعوى ازدراء أديان! هي ذات الشخص الذي كان يهتف ضد القضاء والداخلية والنظام، ومع أول اختبار حقيقي لادعاءاتها، فكرت بأن تلجأ لمن هتفت ضدهم كي تنتصر لدينها ضد من كان يطرح أسئلة أو ينتقد شخصيات تاريخية.

قابلت من يشببها لكن مسيحيين فهذا كان بطلا قام بعمل بطولي يوم موقعة الجمل في التحرير وقام بعمله على اكمل وجه لكنه يتهم يطرح أسئلة تمس رجال الدين وليس الدين المسيحي بعدم درايتهم بالدين أو معرفتهم، فقد قام بكل ما نهى عنه المسيح من سباب ولعن وإدانة لكي يدافع عن رجال الدين المسيحي كما لو كانوا أكثر أهمية من جوهر المسيحية ومن تعاليم المسيح.

رأيت من كانوا يهتفون بالحرية وتقبل الآخر، ينادون بحرق الشواذ جنسياً وقتل من يغير ديانته. رأيت من نادوا بالحرية وهم ينتشون بأحاديث التضييق على المنتقبات و الملتحين.

رأيت من كانوا ينادون بالحريات، يبررون للدواعش أفعالهم، رأيت من كانوا ينادون بالحب وتقبل الآخر وعدم التصنيف؛ يسبون وينبذون من أعلن إلحاده؛ بل سبوا ونبذوا من خلعت حجابها، حتى وصل الأمر إلى نبش معنوي للقبور بعد حادث انتحار إحدى من شاركن في ثورة يناير عقب انتحارها، فهذا من أدخلها النار وذاك من أخرجها منها على صفحات التواصل الاجتماعي!

رأيت أصحاب المبادئ والمنشورات النارية على الفيسبوك؛ ولكنهم في حياتهم الشخصية ينصبون المصائد لغرض اقتناص الفتيات باسم الحب، فسلبوهن أموالهن ومجوهراتهن مع التهديد و الوعيد.

في النهاية، إن ما حدث في السنوات الأخيرة يجعلنا جميعاُ على يقين، أننا محاصرون بالدواعش الذين هم على استعداد لقتل من يخالفهم الرأي أو من يشذ عن الإطار الاجتماعي والديني السائد.

على الجميع أن يعي ما يقول جيدا، لأنه ما دام قد نطق بكلمات مثل الحرية والعدالة الاجتماعية، فهو وقتها قد تورط في مطلب الحرية للجميع، جميع الحريات دون استثناء. وأن من يزدري الدين حقيقة هو من يقوم بارتكاب جرائم إنسانية بشعة باسم الدين، والدين منه براء، ومن يبررها فهو مشترك في ذلك الجرم بشكل أو بآخر.

على الجميع أن يتصالح مع نفسه ويعرفها جيداً، وقتها فقط، سوف تتحول الهتافات من مجرد شعارات إلى مطالب حقيقية يؤمن بها أصحابها ويصدقها الناس أجمعون.

التعليقات