زهير كريم يكتب: الآنسة التي من برج الثور

وكان اهتمام البنت التي من برج الثور بمفهوم المفارقة، قد بدأ في أحد النهارات، كان ذلك في ساحة المدرسة الثانوية بالتحديد، تقدمت إليها زميلة لها بوجه يشبه وجه العذراء، صبية يشعر المرء أمامها بالقداسة، وكانت البنت بشهادة الجميع مبدعة في طريقة مضغها للعلكة.

ولم تكن تعترض حتى عندما يقال لها: أنت متفوقة في هذا على بنات الليل. وكانت البنت التي لها وجه العذراء تصنع بالونات ملونة رائعة من العلكة، بالونات، تكبر كثيرا قبل أن تنفجر، أثناء ذلك كانت تمثل دور المرحة المنبسطة، لكنها في الحقيقة تشعر دائما بالاضطراب، وهذا شأن داخلي لا يعرفه الآخرون، حسنا، هناك صديقة واحدة غير متأكدة تماما، لكنها تقول: إن البنت الذي بوجه العذراء هي من برج العقرب، والدها كان من برج الحمل، وقد انفصل عن أمها التي كانت من برج الجوزاء، لم يتفقا وهذا يحصل عادة عندما يلتقي الحمل بكامل خضوعه مع الجوزاء بكامل سموّها وعنجهيتها، لكن أم العذراء، وبالإضافة لهذه العنجهية، امرأة ذكية، تزوجت رجلا من برج الدلو، قصير وسمين، فكان يغرف من بئر الحياة طوال النهار ويرجع في المساء منهكا ليفرغ حمولته في البيت، وظل يفعل ذلك حتى مات.

_ قولي لي يا عزيزتي، من أي برج أنت؟

سألت البنت التي لها وجه العذراء، وكان سؤالا بريئا في الحقيقة، ولم تفكر البنت التي برأس النعامة أن الإجابة عليه سوف تغير حياتها.

_ الثور.

_ماذا؟

شهقت البنت التي بوجه العذراء، وكاد قلبها أن يتوقف من حجم المفارقة، لكنها نفخت بالونا أحمر، ظلّ يكبر ويكبر، نفخته بتوتر ثم انفجر فأحدث دويا، جاء زملاء آخرون، كي يباركوا لها هذا التطور في نفخ البالونات.

_ أنا من برج الثور، هل يزعجك ذلك؟

ردت البنت التي من برج الثور وقد أصابتها الدهشة والحيرة، لكن الشابة التي بوجه العذراء، ابتعدت وهي مذهولة، ثم ضحكت ونقلت هذه المفارقة لآخرين فكانت تنفخ البالونات، وتسرد المفارقة، قم تفجر بالوناتها في الهواء .

_ هل هذا معقول! كيف يحدث أن يكون المرء برأس نعامة وهو من برج الثور!؟

أكثر من كان يضحك هو شاب ضئيل جدا لا يعلمون أنه من برج الأسد، لكنهم في الواقع كانوا يسمونه حشرة الحصاد، كان وجهه أخضر، عيناه جاحظتين وصوته ناعما، نباتي ّ، يأكل الخس والقرنبيط أثناء فترة الغداء، وأحيانا يخرج من حقيبته بسكويت بالسبانخ، وقد تكفل هذا الشاب تأصيل مفارقة برج الثور ورأس النعامة، كان يفعل ذلك بإخلاص ربما ليبعد العيون عن مفارقته الشخصية كونه من برج الأسد رغم أنه يشبه حشرة الحصاد.

ولأن البنت التي من برج الثور كان لها رأس نعامة فعلا، لم يكن إجمالا تجنب الضحك في الفترة التي أعقبت هذه الحادثة، الحقيقة أنها كانت تعاني كثيرا، ولم تعد تتحمل حتى رؤية صورة لثور، حسنا، يقوم الناس بحركات مجنونة عند الغضب، وهذا طبيعي، فعند إحدى الأمسيات، كانت ناقمة على المفارقة التي أفسدت حياتها، كسرت التلفزيون، وكان فيلما وثائقيا، يظهر فيه الثور بلقطة مقربة كما لو أنه يضحك: هل تسخر مني؟ قالت ذلك بصبر نافد وهستيريا، ثم قذفته بقنينة كوكالا كبيرة، والحقيقة كانت هذه العقدة سبب تخصصها بعلم المفارقات: لكنها وأثناء الدراسة، وصلت لقناعة، أن فهم المفارقة هو فهم العالم، وأطروحتها في الدكتوراه كانت الفريدة من نوعها، إنها الباب الذي ولجت منه لحقل التاريخ، وقد التقطت أثناء ذلك نماذج هامة لموضوعها، قالت لرئيس اللجنة في يوم المناقشة: إن العالم يا أستاذ، ومنذ البداية يحاول تأكيد قيم السلام، الفلاسفة والشعراء والاقتصاديون وعلماء النفس وغيرهم، لكن تفحص من فضلك فصلا من قصة الحداثة، سيرة السيد هتلر مثلا، الفنان الذي من برج الثور كما هو معروف، الحقيقة أن رأسه يشبه بطيخة فاسدة، فما علاقة البطيخ بالثور!، وما علاقة الفن بالحرب وتفوق العنصر، نعم لقد كان من برج الثور حسب تصنيف الأبراج السماوية، لكن سيرته المريضة تؤكد أن ما يصلح له هو برج السرطان، حيث أن استئصاله كان ضروريا، المفارقة أن حتى هذا الاستئصال لم يكن علاجا نزيها، بل هو طريقة أخرى لفسح المجال أمام أمراض أخرى. قالت ذلك بثقة، ثم أضافت .

_ في السياسة، أيضا أنهم يتحدثون عن كل شيء، ولا يفعلون أيّ شيء، الثوار والزعماء في العالم الأول والثالث والعالم العاشر، يا للسخافة، الولايات المتحدة مثلا تبدو وكأنها من برج الميزان؟

_ أرجو أن توضحي ذلك. قال رئيس اللجنة

_ هي تبدو في الظاهر من برج الميزان، لكنها في الحقيقة من برج الحوت.

_ الحوت؟

_ نعم الحوت الذي يبتلع كل شيء ولا يشبع، ألا تبدو هذه مفارقة؟

_ الحقيقة أني أتفهم ذلك، على الأقل عنما يتعلق الأمر بفكرة الابتلاع

_ الابتلاع، نعم بالضبط يا أستاذ، إنها تبتلع الأسماك الصغيرة والمتوسطة وحتى الكبيرة أحيانا.

العالم مجرد مفارقة، هذا ملخص بحثي الذي هو أمامكم، والوجود كما أظن لايتحمل الكثير من الجدية، وأن السخرية هي التعبير المناسب لمواجهته. قالت البنت التي من برج الثور، وكان رئيس اللجنة ينظر إلى رأسها الذي يشبه رأس نعامة، بينما اثنين من أعضاء اللجنة ينظرون إلى لحيته الغريبة، وفي سرهم يسألون هل الأستاذ من برج الجدي، أم من برج الثور!

التعليقات