نادين بدراوي تكتب: بعد البحر

تذكرتك بشدة اليوم يا أبي.. كنت أتمنى أن أحكي لك عما أراه في العالم خارج نافذة كل سيارة أتواجد بها.. كنت أتمنى أن تعلم أن أسعد لحظاتي كانت رحلاتنا المتكررة ليلاً في الشتاء بداخل سياراتك المتغيرة.

كانت كل سيارة تحمل بهجة جديدة ونافذة جديدة ونظرة جديدة للحياة وقصة شيقة لكيفية شرائها من صاحبها السابق التي لا تزال رائحته بها وكلما كثرت الرحلات كلما تبدلت الروائح وأصبحت السيارة كالمنزل عطر مخلوط برائحة السجائر وقميص معلق على كرسي وأنا.

كانت كل نافذة هي متعة قصوى فالسيارة هي العالم الذي لم يوجد فيه سوانا والنافذة هي علانية اكتفائنا ببعضنا في علاقة آمنة ومغلقة بداخل العاطفة ولا شيء سوي العاطفة.

وتذكرت كل رحلاتنا البرية والبحرية وتذكرت أهم رحلة وهو اليوم الذي قررت أن تسبح بي إلى ما لا نهاية وأنا لا أبلغ إلا ثلاثة سنوات وكان البحر يومها جميلاً شديد الزرقة وموجه يخيف كل الأمهات على أطفالهن أتذكر أن أمي نصحتنا بعدم الابتعاد ولكن بمجرد نزولنا إلى المياه وأنا بداخل عوامتي الدائرية الصغيرة وضعت ذراعك الأيسر بداخلها ثم أحكمت غلقه من الخارج وسألتني "أتريدين الذهاب للبر الآخر؟" لم أفهمك فقلت "أعني أن نذهب بعد البحر.. نسافر سوياً".

أتذكر أنني كنت طفلة فضولية حد الخطر وأنني تحمست لأرى ما بعد البحر وأبحرنا ونبهتني أن الموج شرس وأنني قد أختنق إذا شربت الكثير من المياه وقمت بتدريبي على إغلاق عيوني وسد أنفي وفمي بمنتهي الإحكام كما أحكمت أنت ذراعك حول عوامتي وكلما زاد الموج وأصبح أكثر عنفاً  كنت تلتفت لي قبل الموجة بثواني وتومئ برأسك كي أبدأ الاستعداد بداخل الموج كنت أختنق ولكنني كنت أشعر أنك لن تفلتني أبدا وكأننا أصبحنا إنساناً واحداً وذابت العوامة بيننا وكلما اجتزنا موجة كنت أشعر أننا لا نقهر ويختفي خوفي على قلق أمي لأنني أقترب من يقين الوصول والعودة.

أتذكر أننا أبحرنا خمسة ساعات حتى اختفى الشاطئ واختفت رؤوس الناس الصغيرة المبعثرة على سطح البحر وظللنا نبحر ونبحر والأمواج تهزمنا ونهزمها حتى أصبحت لا أريد أن أعلم ما بعد البحر وأصبح هذا العناق البحري هو البر الآخر.

لا أتذكر كيف ولماذا عدنا ربما لأننا أصبنا بالجفاف وشعرنا بالعطش وأتذكر هلع أمي وحرجك أمامها ثم مرت السنين بيننا والبعد أيضاً وأدركت أنك عدت وحدك في هذا اليوم وأن طفولتي قد ضاعت في هذا البحر وأتذكر أن اليوم انتهى وانتهت بعدها كل علاقتي بك وبالخوف وبدأت أنت علاقتك به.

واليوم نظرت من نافذة سيارة الأجرة يا أبي ولم أعد أنظر للعالم بنفس البهجة أصبحت أنظر له في تيه معقود.

واختفى العناق من البحر ولم أعد أحتاج لعوامة لأني اخترت البحور الراكدة مسكناً لي البحور التي أستطيع أن أري ما بعدها دون الإبحار ولكنني أعلم أنك لن تحب هذه البحور أبداً.

ثم نظرت إلى كرسي السائق لأحكي لك وتمنيت أن أشاركك التغير الشديد الذي حدث لعلاقتي بالخوف هذا العام وكيف أني أدركت مواطن قوة وضعف جديدة في ذاتي أنت أحدها أو ربما كلاهما.

لم يتغير كثيراً منظوري الطفولي للعالم ما زالت الأشياء الغريبة والصغيرة تدهشني وما زلت أغفل كل ما يفرض علي العين. وأتمنى لو تعلم أنك لست بحاجة للاستئذان لتكون أبي أو أباً في المطلق كما لم تكن في حاجة للاستئذان يوم إبحارنا.

كنت فقط في حاجة إلى شريك ولم يكن هناك سواي ولم أملك سوى الإبحار معك ولكنني الآن لا أريد الإبحار معك كنت فقط أود أن أخبرك أنه لا وجود للبر الآخر وأن العناق البحري كان خوفاً مستتراً وأنني ما زلت أعتز بعالمك الوهمي الذي شكلني وأن هذه الذكريات المهترئة عن حياتنا معاً هي الشئ الوحيد الذي يبقيني علي حافة الجنون لا بداخله.

 ولكن لم أجدك هناك في كرسيك فعدت إلى النافذة باحثة لأجدك أمامها ضخماً لدرجة تمنعك من رؤيتي وتمنعني من كل شئ.

كانت زاوية النافذة الصغيرة كافية لرؤية الحياة، كانت نافذتي وحدي ونفذنا جميعاً والآن تغير مكاني في البحور والسيارات وتغيرت النافذة وتغيرت المدينة التي كنا نسكنها ولم تعد العوامة ذات معنى ولم تعد أي سيارة تشبه المنزل وما زلت ألتفت باحثة عنك لشيء من الاطمئنان تعلمت توفير أغلبه لنفسي ولكنه ينقصه عنصراً للإكتمال فأماني متشبت بالأرض بالبر الأصلي ينقصه مرونة الوهم ينقصه البر الآخر.

سأعترف  أنك ربما تكون أول من علمني الخيال أنت مؤلمي وملهمي الأول يا أبي.

التعليقات