رشا أحمد تكتب: سيرة شاعر متمرد


"الشعر موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، وفي البحيرة وعلى ضفة النهر، وموجود أيضاً في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جلياً أمام عيني وأنا جالس، ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، ثمة شعر في أي حركة مبتذلة ومُضحكة لصباغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلون إعلاناً لدكان لحام».بيسوا
عن  نور للثقافة والفنون  المجموعة الشعرية سيرة شاعريموت شاهرا اصبعه الأوسط بوجه العالم للشاعر والمسرحي يوسف مسلم

مجموعة تتجاوز عتبة الزمان والمكان عبر اعادة نتاج منظومة انسانية فيها الأفكار مع رؤية الانسان الحالم الشاعر الذي يتوق إلى التحرر عبر السؤال عن المعاناة عن الوطن عن الحب عن الخسارات عن الموت
قصيدةالنثر إبنة التحوّل الدائم، والقلق الدائم،
قصيدة النثر فرضت نفسها بجمالياتها الخاصة وشعرياتها الفريدة.اننا انتقلنا اليوم من مقولة(قصيدة النثر ) مقولة نابعة منها ولكنها أشد رحابة هي مقولة «شعر النثر». ولعل المقاييس التي وضعتها الناقدة سوزان برنار، وهي: الايجاز والكثافة أو التوهج كما يحسن لبعضهم أن يقول والمجانية، لعل هذه المقاييس لم تبق قادرة على تحديد قصيدة النثر الراهنة
واذا كانت قصيدة النثر بحسب سوزان برنار فسحة «للتوتر الشعري» فهي ايضاً مغامرة في اكتشاف منابع اللغة والاحتكاك بالمجهول وابتداع المفاجآت الساحرة، لغة وصوراً ودهشة
فالشاعر المبدع يجعل من النص الادبي مشغلا يخصب فيه المعاني المعجمية للغة، ويخلق علاقات جديدة لم تكن مألوفة تثير دهشة المتلقي. والنص الشعري كما يرى لوتمان هو" نظام انظمة" وعلاقة علاقات، كل منها له توتراته، وتوازياته، وتقابلاته، وتكراراته.

« لا يملُك البَحرُ جُموحَ عينيْكِ
مِسكينٌ هُو البحرُ يا نُونْ!! »
قُلتُ؛ وتلاشيْتُ في شتائِها
وإسكندريَّتُها تُلوِّحُ من بعيدٍ
بـمنديلٍ من الزَّبدِ،
وفَمي يفيضُ بأَعْشابِ المِلحِ،
طُوفانٌ إثرَ طُوفانٍ،
فتـنهَارُ كلُّ أحلامِ الصيَّادِينْ
يوسف مسلم الحاصل على العديد من الجوائز في مجال الشعر والمسرح.
الشعرُ هو أن يتلذذ الآخرون بألمك، أن تزاول حزنك ما استطعت، أن يوجعك حد خلاص الروح، أن يخترق جسدك كرصاصة باردة، وأن يتمادى أكثر في إيلامك عندما يتعلق الأمر بالآخرين، هكذا هو المعاناة حقا.

هناك الكثير من الهواجس التي يشي بها نص يوسف الشعري والنثري والتي تتسرب من بين ملامحه بحزن ووجع، كما يتسرب اللحن من فتحات الناي كالموت والفقد والحزن والغربة، والرعب الوجودي من الغابوية التي يسير إليها هذا الكائن وهو مغمض العينين كمن يسير إلى حتفه حتى لو سار فوق جثث البشر، وهو يحمل في يده منجلا يجتث به كل آهات العالم وكأن العالم في طريقه ليصبح غابة، أو زنزانة كبيرة، أو حتى مقبرة بلا شواهد تدلل على شاعر يأتي شاهرا شعره بوجه القبح.

لأني اختطفتُ عَيْنيْها فوقَ يديِ فإنَّهُم يُريدُونَ إلجَامَ الجُمُوحِ وَقطعَ اليدِ السَارقَةْ ولأنَّ عَيْنيْها مَأوى لشاعرٍ شَرَّدَتهُ المَجَازِرُ فَإنَّهُم يُريدُونَ تَكْحيلَهَا بالبارودِ ولأنَّها تُرَبِّي فِيهَما عَرائِسَ قُطْنيةٍ لبناتٍ مَوْعُودَاتٍ فإنَّهُم يُبدِّلونَ القُطنَ بالغِبارِ الذَّريْ ولأنَّ البناتَ يَقطِفنَ مِنْ دُمُوعِها حَلوىَ شَعْرِ الأَمِيراتِ
فإنَّهُم يُصَوِّبُونَ بَنَادقَهُم نَحْوَ العَصَافِيرِ الغَازِلةِ
هل أشكر البوصلة التي نذرت يوسف رعشة الشعر أو الفقراء الموجوعين الحزن النابت في ضلع الأبد.

« ثقيلٌ هو الهواءُ فِي صَدريِ يَا نُونْ والحَشْرَجاتُ مَشَانِقْ »
قُلتُ، وتساءلتُ :
« أهذهِ الأرضُ أضيْقُ مِنْ حِذائِي؟ أَمْ أَنَّ قَدَمِي أَكْبَرُ مِنْ تَاريِخِها المَنْسيّ فِي سِجِلاتِ العَسَسْ؟
وَهذهِ السَمَاءُ؛
هَلْ تُلَمِّعُ مُرْتَقىَ مَوْتِي إليْكِ؟ أَمْ تَصْطَفِينِي لهَزَائمَ أُخَرْ؟!.. » مَهْمَا يَكُنْ،
سَأَصْعدُ كُلَّما غَاصَتِ بِيّ الرِّمَالُ، وَتَقلَّبتْ حَوْليِ الفُصُولُ.

وعلى الرغم من كثافة النص الا اننا نلمح فيه جمال والتوهج فما الذي جعل من هذه الرسالة اللفظية الموجزة المكثفة اثرا فنيا جماليا، يثير الأريحية في النفس ويختلف عما عهدناه في جمال المنظوم أو المنثور.ووسط هذا الوجود القوي للنوافذ والريح وسجائر الليل ؛ يظهر وجود متعب لصوت انسان يردد اغنية حزينة لا يملك غير الانتظار،ويتحامل على فراغ مرعب، ويألف عواء مرور الوقت الرتيب.ثمة بعد بالشعر لايروق لكثير ممن يرون أن الشعر يبحث عن الألفة مع الأشياء هذا البعد يتمثل في سعي الشاعر نحو فعل المجاوزة بوصفها متعة بحد ذاتها .
الشعر بمجموعة سيرة شاعر يأتى شاهرا اصبعه الأوسط بوجع العالم أن نحدسَ الظلَّ في مخدع الشمس، أن نتلمسَ الأشياء في مخيالها، الشعرُ سؤال عن الله وعن الطبيعة وعن الخوف، هو الاضطراب والقلق والانفعال، اللاوعي وهو أن نقفَ تماماً عن الحراك عندما يتعلق الأمر بالإدراك..
كقنديلِ البحرِ ناعمٌ متوحشٌ، شفافٌ لاسعٌ، محيي ومميت وديعٌ مخادعٌ، يصعدُ للأعلى دائماً؛ لا يهبط إلّا لاجتلاب ثمرة الملح من قاع الأبد..
الشعر عاطل عن العمل، لا وظيفة له سوى أنّه يفتح الباب إلى العدم، مع هذا فالعدميون يدخلون من النافذة.
الشعرُ وحيدٌ، أعزل، مثل يوسف
الشعر ابن القلب، والبصيرة.
مجاز وإيجاز وخروج للغة المتعارف على هيئتها، إلى أخرى جديدة وليست حديثة.
ليس منه التفكير ،هو اللا مهمة واللّا تحديد واللّا نظام واللّا نهاية ...
ليسَ منه التكريس، والخلود والأبدية، الشعر هو الموت، موت الشكل والنوع والجنس، الشعر قيامة الحياة.
ليسَ منه الثبات والركون والخوف والخنوع والإتباع، الشعر الوقح المزعج المشاكس الثائر، الشعر ثورة تتجدد بالمخالفة.
ليسَ منه القراءة، الشعر ابن للما وراء، يتنزل بشكل هيولي.
يوسف يمتلك كل هذا روح الشاعر المتمرد وكأنه مسكون بهاجس التمرد على مستوى الفكرة والصياغة والتشكيل واللغة .
مارس يوسف غواياته في صياغة تركيبية تعتمد على الخيال الخلاق يضعنا أمام مرآة الشعر الحقيقية .

التعليقات