القبلة المُقرفة

قسم : شهرزاد   

ارتبطت أول قبلة لها بالقرف والتقزز, بعدما كانت كأي فتاة تحلم باليوم الذي ستلتقي فيه من يخفق له قلبها وترتبط بها ويتيهان في قبلة حارة ترفعهما إلى سماء السعادة. كانت القبلة التي تم اغتصابها منها هي أيضا سر خوفها من جميع الرجال, بعدما كانت تحذر الشباب فقط أصبحت تحذر أيضا التعامل مع الكهول الذين يبيعون مشاعر الأبوة الكاذبة لطمأنة الفتيات قبل صيدهن.

كانت نهالواحدة من الشابات اللاتي حلمن بمستقبل جديد بعد ثورة يناير يشارك في صناعته كل فرد بدلا من أن ترسمه نخبة من العجائز في الغرف المغلقة, مستقبل يصنعه الشعب بشبابه من أجل الغالبية وليس حفنة من المنتفعين والمتسلطين من أجل طبقة محدودة. لم تكتفي بالدراسة شعرت بأنها قادرة على العمل بجانب الدراسة, وجذبتها الصحافة وقررت أن تدخل عالم جديد تلعب فيه دورا في نشر المعلومات والحرية. عملت كمعدة برامج لمدة عام ثم وجدت فرصة أخرى في صحيفة أبو الهولكمتدربة في قسم التحقيقات.

في طريقها لعملها وخلال وجودها بالمكتب كانت تحذر الشباب من الزملاء, وكانت تخاف نظراتهم المتفحصة التي تشعر فيها دوما بتساؤلات لم تفهمها ولم تعرف كيف تجيب عليها ولا كيف تتجنبها. فقط حاولت تجنب الجميع قدر الإمكان حتى يتثنى لها مع الوقت التعرف على الشخصيات واختيار من سيكون زميلا موثوقا يمكن اللجوء إليه واستشارته.

كانت معها فتاتان لم تلتق بأي منهما كثيرا, أحيانا تلمح إحداهن قبيل اجتماع مع رئيس التحرير أو لدى تسليم موضوع وينتهي السلام سريعا. والأخرى كانت تجلس دوما مع بعض أفراد الفريق ولا تحاول التواصل معها وتكتفي برد التحية التي تلقيها نهال بتحفظ أقرب للرفض. كانت تنفرها تعليقات الزملاء المليئة بالشكوك في زميلتها التي لا تعرفها فهي اعتادت أن الجميع يسيئون الظن بالنساء. لكنها كانت تتعجب أكثر من موقف زميلتها التي تتحفظ في التعامل معها وتكاد ترفضها وتشارك في التعليقات الساخرة مع الزملاء الذكور ضد الزميلة التي لا تظهر كثيرا في المكان.

رئيس التحرير في العقد الخامس من عمره يبدو وقورا ببشاربه وبدلته الرسمية. تحدث عن المهنة والأخلاق وأهمية الشجاعة والجرأة لمواجهة المخاطر المختلفة. بدا وكأنه شخصا لا يهاب شيء في سبيل مهنته وقادر على حماية من يعملون معه وتوجيههم للطريق الصحيح. كان موعدها مع الرجل بمثابة فرصة نحو مزيد من الرسوخ في مكان عملها الجديد, حلمت بأن يكون اللقاء قادرا على نقل صورة جيدة عن مهنيتها وقدرتها على التفاني والحركة والسعي وراء الأخبار وتدقيقها وتناولها من أكثر من زاوية.

حاولت الحديث عن أحلامها وقدراتها المهنية وتفانيها, لكنه اهتم بحديث آخر. تحدث طويلا عن الحرية وأهمية العلاقات الجنسية كطريق للترقي والنجاح في مجال الصحافة. وحكى عن مغامراته الجنسية وكيف أنها أوصلته إلى مكانته الحالية كرئيس لتحرير واحدة من الصحف. وأن كثيرا من معلوماته الصحفية لم يتحصل عليها إلى من خلال علاقات جنسية مع مصادر صحفية مهمة.

تنازعتها الأفكار بعد اللقاء, فهي أول مرة تلتقي رئيسا لتحرير صحيفة, وترفض تماما ذلك النمط من العلاقات والحياة, طالما كان الجنس في خيالها جانبا من علاقة تبدأ بالانجذاب الذي يتطور إلى حب حقيقي يتراكم مع الأيام ثم يتحد من خلاله الشخصين ليكونا شخصا واحدا في جسدين, يبنيان حياة مشتركة تزدهر وتكبر بجهودهما معا وبدعمهما المتبادل.

تدرك جيدا أن الجنس احتياج بيولوجي لكنها لا تقتنع أبدا بممارسته للانتفاع المادي. يصعب على عقلها وقلبها تقبل ما يقوله ذلك الشخص رغم موقعه الذي يؤكد أن طريقته تم تجبتها ونجحت في تحقيق الهدف. لكنها تقرر في النهاية أن لكل شخص اختياراته وأنها ستكتفي بمحاولة العمل والتدرب على الصحافة حتى تجد فرصة أخرى في مكان آخر لا يؤمن القائم عليه بنفس تلك الخيالات المريضة.

تجنبته قدر استطاعتها, لكنه في يوم وبعد انتهاء اجتماع طلب منها أن تسبه بألفاظ بذيئة, باعتبار أن العمل في قسم التحقيقات لابد وأن يعرضها للتعامل مع الشارع وعليها أن تتعلم لغة الشارع وتكون لديها الجرأة على التعامل بتلك اللغة. لم تتمكن من لفظ الكلمات واكتفت بتدوينها على ورقة, كان الهاجس الوحيد المسيطر عليها هو أنها ستفقد عملها ,ومن جانب آخر شل التحدي عقلها فاللعبة كانت أن عليها إثبات قدرتها على التعامل مع الشارع بأسوأ صوره وأن لديها الجرأة لمواجهة المشكلات.

انتهى الموقف لكن عقلها لم يتمكن من فهم ما يجري وكيف يتم ربط فكرة منطقية بتفاصيل غير منطقية بهذه السهولة؟ فحتمية أن يتمتع الصحفي أو الصحفية بالجرأة على التعامل مع الشارع أمر حقيقي وضروري لأداء العمل, لكن الربط بين التعامل مع الشارع وبين القدرة على إطلاق السباب في أقذر صوره لم يكن مقنعا بالقدر الكافي. جانبا منها كان يقول بأن الشارع بالفعل قد يكون سيئا للغاية وأحيانا قد يتحتم عليها التعامل مع الشارع بلغته, وجانبا آخر يقول أن الخبرات والتجارب هي التي تجعل الشخص يتخذ مواقف أو ينطق كلمات بعينها حسبما تقتضي التجربة وقد لا يضطر كثيرونإلى استخدام تلك الألفاظ رغم تعاملهم مع الشارع. لكنها تعود وتتساءل ماذا لو كانت هي احدة ممن سيضطرون للتعامل مع هذا المستوى من البذاءة؟

وقعت ابنة التاسعة عشرة بين حماسها لأن تكون قادرة على العمل وكسب رزقها بنفسها حتى قبل أن تكمل الجامعة وبين تفاصيل يحاول رئيس التحرير إقناعها بها رغم عدم استساغتها منطقيا ولا يرتاح لها قلبها. كانت المميزات أكبر, فالعمل خبرة مهمة والمكافأة البسيطة مهمة, والمساعدة في لعب دور في نقل المعلومات ومتابعة الأخبار أيضا خبرة مهمة, والتعامل مع انماط مختلفة من البشر أيضا خبرة مهمة, قررت الاستمرار خاصة وأنها قادرة على تجاوز تلك العقبات الغريبة التي يحاول رئيس تحريرها وضعها أمامها.

اتخذت الحياة منحى جديدا حين كلفها مرة بتغطية إحدى المظاهرات التي ستنطلق من أمام نقابة الصحفيين, هي تجربة مهمة وعمل جيد تحمست له. تعجبت لأنه قرر المشاركة في المسيرة التي كلفها بتغطيتها للجريدة. طوال المسيرة كان يحاول لمسها كلما أُتيحت له الفرصة بحجة أنه يحميها من الزحام أو الاصطدام بشخص ما, لم ترتح للمساته وتحينت الفرصة لتبتعد فور رؤية بعض أصدقائها فاتجهت نحوهم وسارت وسط مجموعتها. لم يكن هناك شيء يمكن الجزم بأنه تحرش, فالزحام كان شديد والجميع ينبهون بعضهم بعضا لاتخاذ خطوة نحو اليمين أو اليسار كي لا يصطدمون بآخرين ممن يسرعون بخطواتهم أو يغيرون اتجاههم فجأة سواء للخروج من المظاهرة أو الانضمام إليها أو اللحاق بآخرين سبقوهم.. كما أن يده لم تمتد لأماكن في جسدها تثير الريبة فلم يتجاوز عن لمس الكتف أو الذراع أو أعلى الظهر للتنبيه. لكن المؤكد كان عدم ارتياحها للمسات هذا الشخص, شعرت وكأن يده تنقل مشاعر رغبة جنسية بتلك اللمسة التي قد تبدو عادية جدا وقد تحدث من عشرات آخرين دون أن تنقل لعقلها سوى رسالة التنبيه وفقط.

استمرت في عملها أياما دون الاضطرار للتعامل مع ذلك الشخص, وذات مرة اضطرت للحديث معه بخصوص موضوع تعمل على كتابته, تحدث طويلا وخرج من قضية إلى قضية حتى وصل إلى الحديث عن نفسه وعن مغامراته الجنسية وكيف أن متدربة قررت كسب ثقته والتقرب منه أكثر من الأخريات فرقصت له بالمايوه وأسهب في وصف طريقتها في الرقص وكيف شعر بأن تلك المتدربة قدمت بجرأتها دليلا جيدا على تمسكها بالعمل في مجال الصحافة.

شلتها المفاجأة ولم تدري كيف تنصرف من المكان دون إثارة مشكلة كبيرة مع هذا الشخص المريب, وهل يمكن أن يكون له نفوذ يمنعها من الالتحاق بأي مكان آخر؟ والأهم أنه يمكن أن يؤذيها جسديا ويمكن أن يدعي عليها بالسرقة أو بالاعتداء عليه أو بأي شيء, قررت أن تخرج من المكان بهدوء خوفا من احتمالات لا نهائية من الأذى مرت بعقلها في جزء من الثانية.

تسمرت أكثر في موقعها حين وجدته يطالبها بدليل على جديتها وتمسكها بالعمل والترقي والنجاح في هذا المجال, وقبل أن تتمكن من الرد طلب منها أن تقبله. خوفها الداخلي من المشاكل المحتملة وقلة الخبرة جعلها تخاف أن تفكر حتى في صفعه ولا في الانصاف غاضبة وردت عليه بامتعاض: “وما علاقة ذلك بالصحافة؟نطقتها وهي تتلفت حولها وتنظر بطرف عينها إلى صالة التحرير فوجدتها خالية تماما من الصحفيين, اكتشفت أنها وحدها. شعرت بالرعب وبأن جسدها يستحيل قطعة من الثلج, وعليها أن تجد جملة ما تمكنها من الابتعاد عنه والخروج دون أن تقع لها أية مشكلة جديدة, ودون أن يصل أي اتهام أو محاولة تشهير إلى أهلها. وقبل أن تجد جملتها التي تريد أن تخرج بها من المكان وجدته يُقبلها“, ارتبطت أول قبلة في حياتها بالتقزز والاشمئزاز, بالإضافة إلى الرعب والخوف والضغط النفسي.

لا إراديا دفعته بقوة فقال كلاما عن أنه يختبر ثباتها الانفعالي وهو جانبا جوهريا في مواجهة ضغوط العمل الصحفي, لم تستمع إلى ما يقوله فكان كل ما يسيطر عليها هو الخوف والرغبة في الانطلاق خارج هذا المكان بعيدا عنه. بمجرد خروجها إلى الشارع انهارت وبكت, اعتزلت العالم في بيتها ستة أشهر, ترعبها احتمالات الأذى وخواطر أن يكون وضع كاميرات بالمكتب وأن يسرب تلك القبلة التي اغتصبها منها لأهلها فيرسم لها صورة فتاة منحلة تقدم نفسها لمن يدفع الثمن.