بديهيات حول جريمة الاغتصاب الزوجي

قسم : غربلة    الكاتب :

تقول البديهيات أن أي ممارسة جنسية دون رضا الطرفين هي اغتصاب.. سواء كان الإكراه يقع من شخص مجهول أو من حبيب أو من زوج . لماذا إذن يثور الكثيرين رافضين الحديث عن اغتصاب الأزواج لزوجاتهم؟ الحقيقة أن الثورة هي محاولة لعدم مواجهة النفس وإصرار على تبرير الجريمة التي تحدث من أشخاص لا يمكن توصيفهم باعتبارهم بشر أسوياء. من يجبر امرأة على العلاقة الجنسية سواء كانت زوجته أم لا هو شخص غير سوي ويجب محاسبته وعقابه.
المشكلة أن الترند تحول إلى “عركة في خمارة” كعادة الأشياء في مصر, وضاعت محاولات المناقشة الجادة والاستماع بين الأطراف المختلفة, فقط هجوم شديد على النسويات وتكرار الاتهامات المعتادة من الرغبة في خراب البيوت والعقد النفسية.. الخ الخ الخ. كثير من البيوت بالفعل طالها الخراب لأن الشركاء داخل البيت الواحد لا يجمعهم سوى الخوف من المجتمع والرغبة في الحفاظ على الشكل الاجتماعي للأسرة أو الحفاظ على المكاسب المادية من الزواج الذي فقد في كثير من الحالات معناه الجوهري والأساسي وهو السكن والمودة والرحمة.
الأسر تتفكك لأسباب كثيرة ومتنوعة وكل ما تفعله النسويات هو الإضاءة على بعض تلك الأسباب التي تتسبب في أضرار للنساء وتجعلهن أقرب للرغبة في إنهاء العلاقة الزوجية. فإذا كان كل الغاضبين حريصون على سلامة الأسر ومنع تفككها فعليهم الاستماع إلى المشكلات التي تشير إليها النسويات والبحث عن حلول لها.
وصل الأمر ببعض الذكور إلى التذكير بالمهر والشبكة والشقة وتكاليف الزواج باعتبارها مبرر للاغتصاب كلما رفضت الزوجة. هؤلاء هم من يجب مهاجمتهم لا النسويات لأنهم يهدمون فكرة الزواج من أساسها ويحولونها إلى صفقة بيع وشراء وكأنه ذهب إلى السوق لشراء سلعة أو آلة يمكنه تشغيها واستغلالها وقتما يريد. وفي هذا التبرير الغبي والمنحط إهانة للرجال لأنه لا يوجد انسان يحترم نفسه ورجولته يقبل أن يأخذ زوجته غصبا, فهي سبة في حق الرجل وإهانة له. وكأن من يقولون ذلك يعتبرون أن الزوج كائن لا شعور له ولا يحترم شريكة حياته وعاجز عن التواصل الطبيعي الإنساني معها ولا يمكنه إثارة رغبتها في العلاقة معه وبدلا من المعاشرة بإحسان لا يمكنه سوى استخدام قوته واغتصاب الزوجة.
هل تلك هي الصورة التي يرغب هؤلاء في أن تكون عليها الحياة الزوجية؟ من يروج لتلك الرؤية المريضة إما مريض وجاهل أو مجرم, وهو من يهدم أسس البيوت ويفكك الأسر بتلك الأنانية المريضة التي لا تفكر سوى في طرف واحد هو الرجل ومستعدة لقبول أي انتهاكات وإهانات للنساء. هؤلاء يحولون العلاقة الجنسية التي هي بالأساس متعة لها آثارها الإيجابية على الصحة النفسية والجسدية إلى مجرد شهوة تملك يتم فرضها بالإكراه والقوة.
لا يوجد قانون يجرم اغتصاب الزوج لزوجته لأنه في تلك الحالة يكون قد أقدم على فعل “بنية سليما ” بناء على حق “مقرر في الشريعة الإسلامية”.. وبدلا من عقوبة الاغتصاب التي قد تصل إلى الإعدام وفق المادة 267 من قانون العقوبات, لا يتم توقيع أي عقوبه على الرجل لمجرد أن بينه وبين المرأة عقد زواج ويتم الاستناد إلى المادة 60 من القانون التي تنص على أنه: “لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سلمية عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة”.
لكن عدم وجود قانون لا يعني عدم وقوع الجريمة, هذا من ناحية. ومن الجانب الآخر فالمادة 60 يجري تفسيرها حاليا وفق ثقافة تؤمن بأن اتيان الزوج لزوجته دون موافقتها “حق له”. هذا التفسير يوحي بأن الشريعة الإسلامية تبيح الاغتصاب وهو ما يتنافى مع كل الأوامر والآراء الفقهية التي تشدد على أهمية المعاملة الحسنة والمعاشرة بمعروف أو التفريق بإحسان والتودد والتقديم للمارسة الجنسية والتلطف والتعامل الرحيم والمودة بين الزوجين. هو تفسير يستند إلى الثقافة السائدة لا إلى النصوص الدينية. حتى حديث هجر المرأة فراش الزوجية الذي يردده البعض باعتباره دليل على تبرير الاغتصاب لا يبرر الاغتصاب ولا الإكراه. فالعقاب للمرأة في الحديث هو أن “الملائكة تلعنها” لكنه لم يدعو للاغتصاب ولا الإكراه على الممارسة الجنسية.
تلك الثقافة السلبية التي أثرت على تفسير الأوامر الدينية بدأت عند الفقهاء الأوائل, الذي بذلوا ما بذلوا من جهد وفق مفاهيم عصرهم وعلينا حاليا إعادة النظر في رؤاهم وتحديثها وتطويرها وفق معايير ومفاهي وظروف العصر الذي نعيش فيه. هؤلاء الفقهاء أقروا تعريفات كارثية لعقد الزواج لا تتوافق أبدا مع الآيات القرآنية التي تحث على الإحسان والمودة والرحمة ولا الأحاديث النبوية التي تدعو إلى الملاطفة والتبسط والمداعبة والحلم والرقة. عقد القران أو الزواج أسموه “عقد نكاح ” وكأنه اتفاق على ممارسة الجنس وهو تسطيح مخل لفكرة الزواج والمودة والرحمة والسكن التي وردت في القرآن, نعم الزواج يتضمن ممارسة الزوج والزوجة للجنس لكنه لا يقتصر على ذلك أبدا وفق الآيات القرآنية. لكن في تعريف “عقد النكاح” تنتفي كل الجوانب الآخرة للزواج وتتحول المسألة إلى صفقة بيع وشراء, الرجل يدفع أموالا مقابل تملك جسد المرأة للاستمتاع به.
الفقهاء الأحناف يعرفون “عقد النكاح” على أنه “عقد يفيد ملك المتعة قصدا من الزوجة ” والشافعية يقولون إنه: “عقد يتضمن ملك وطء ويترتب عليه ملك الانتفاع باللذة من الزوجة ” والمالكية يقولون أنه عقد “انتفاع بالبضع وسائر بدن الزوجة “. تلك التعريفات التي اجتهد الفقهاء في وضعها تحتاج إلى مراجعة فهم أقروها في ظل أوضاع ثقافية واجتماعية مغايرة تماما للوقت الحالي, كما أنها تتعارض بشدة مع الآيات القرأنية وبالتالي يجب تغييرها والعودة إلى الأصل الحقيقي لمفهوم الزواج بدلا من الاستناد إليها في تبرير الاغتصاب والقول بأنه “حق شرعي” للزوج.
ولعل الأزهر الشريف في تعقيباته الأخيرة بخصوص الجدل الدائر حول الاغتصاب الزوجي قد تبنى رؤية أكثر اتساقا مع الآيات والعصر من غالبية الأصوات التي تتعالى بتبرير الاغتصاب والإكراه سواء للمكايدة أو نتيجة الجهل والتماهي مع الثقافة السائدة. وأوضح الأزهر الشريف غي تعليقه أنه بالنسبة للحديث المتعلق بهجر المرأة لفراش زوجها لا يحتوي أية دلالة تشير إلى إتاحة إيذاء المرأة جسديا أو نفسيا ولا إغفال تضررها من فحش أخلاق الزوج أو سوء عشرته. وأضاف أن الحقوق الزوجية مرتبطة ومتشابكة ومترتبة على بعضها البعض ولا يجب أن يفرض أي من الطرفين في حقوق الطرف الآخر. أي ان الحقوق التي أقرها الشرع تشمل الطرفين وليس طرف واحد كما يريد البعض حاليا.
المرأة ليست سلعة ولا أداة للمتعة والزوجة ليست ملكية حصرية للزوج يتصرف فيها حسبما يشاء, والآراء التي تبرر الاغتصاب باسم الشرع تسيء للشرع كما تسيء للمرأة وأيضا تسيء للرجل السوي. الدين الذي أكد انه “لا ضرر ولا ضرار” و”إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان” و”جعل بينكم مودة ورحمة” ذلك الدين لا ينبغي استخدامه لتبرير الإكراه والعنف والإيذاء والاغتصاب.