عن الأغاني التي أحبها.. وأرفضها أو أكره بعض رسائلها (1)

قسم : غربلة   

الحياة ليست أبيض وأسود, يمكن أن نحب شخصا ما لكن نرفض بعض ما نراه عيوبا فيه. كما يمكن أن نحب عملا فنيا بينما نرى أن الأزياء لم تكن الأفضل أو أن نكره واحدة من الشخصيات التي قدمها. ويمكن أن نحب موسيقى أغنية وإيقاعها بينما تزعجنا الكلمات أو العكس.

 من تلك الأغاني التي أحبها واستمتع بالاستماع إليها لكن كلما سمعتها تقفز الملاحظات إلى عقلي حول الرسائل الخاطئة التي أرسلت بها وكرستها في عقولنا. من بين تلك الأغنيات “كترو الخطاب” لشادية والتي تقول كلماتها “كترو الخطاب ع الباب يا امه… افتحي واختاري عريس ليا”

وهنا تتغنى السمراء الجميلة بكثرة من يرغبون فيها ولا تختار أحدهم بنفسها لكن تطالب الأم بأن تختار لها.. الترويج للخجل والحياء كميزة بين الإناث جعل من شادية تطالب أمها باختيار الشخص الذي سيكون شريك حياتها وتقطع على نفسها وعدا بأنه (الشخص المجهول الذي ستختاره الأم) سيكون شريك عمرها الذي تبادجله الإخلاص والحب وتسلم له أمرها..

تعجبني الأغنية ولحنها وعذوبة صوت شادية لكن تفصلني الكلمات التي تكرس لأن النساء لا حق لهن في اختيار شركاء حياتهن وبدلا من ذلك يتخذ الأهل القرار نيابة عنهن, ثم يتحملن وحدهن المسئولية الكاملة عن الطاعة وبناء حياة والحفاظ على بيت الزوجية.

في نفس الأغنية تقدم شادية الفتاة باعتبارها “جسد” جميل وفقط, فمن سيكون من قسمتها سينالها بجمالها الذي تصفه الكلمات وتقول “الورد مفتح فوق خدي وجمالي بينادي حبيبه والغصن بيخجل من قدي ويا بخت اللي انا هبقى نصيبه” وكأن الجسد بتفاصيله هو كل ما يمكن أن تملكه المرأة وليس شخصيتها ولا طريقة تفكيرها ولا قدرتها المالية ولا أي شيء آخر.

وفي مزيج من البهجة والرقص تنطلق شادية على أنغام “رنة قبقابي”, فتأخذ بالمستمع فورا إلى حلبة رقص يتمايل داخلها رغم أن المعني يشير إلى أصل أسطورة حب النساء للكلام الحلو أو المعاكسات وهو ما أصبح لاحقا يعرف باسم التحرش الجنسي. فالفتاة الجميلة تخطر في الشارع لتذيب قلوب الجميع حتى العوازل.. وتسرد في دلال كيف يتحرش بها العديد من الرجال في الشارع.. وكيف ترد عليهم رافضة التحرش بنفس الدلال… باختصار رنة قبقاب شادية أغنية خفيفة مبهجة لكنها تكرس للتنميط الشائع عن ان البنات يحبون “المعاكسة” أو التحرش حتى وإن قالوا غير ذلك.

ويذكر أن الجميلة شادية أيضا خلدت دور المرأة باعتبارها “مخبر” مهتم بمراقبة الحبيب عن كثب بغض النظر عن الوسيلة. ففي أغنية انا قلبي معاك قررت إرسال روحها لتهيم ححول الحبيب في البعد لتنقل لها الأخبار ” عشان تفتن لي عليك”… وتبلغها بكل التفاصيل حول مع من يتحدث ومن يلتقي.. الخ. تلك الحالة من المراقبة التي يشكو منها الرجال اليوم وغالبيتهم يطبقونها بطريقة معاكسة فيعمدون إلى مراقبة تحركات النساء ليل نهار باعتبار أن ذلك من حقوقهم.

الحالة التي قصدت بها الأغنية أن تكون “رومانسية” وتعبر عن حجم الحب والاشتياق ليس إلا, أصبحت كابوس حي يعيشه الرجال والنساء بعد عشرات السنين من الأغنية. بالطبع ليست الأغنسة هي السبب ولكن الأغاني بطريقة أو بأخرى يمكن اعتبارها مؤشر على كيف يفكر البشر في زمن ما والمقبول وغير المقبول اجتماعيا وثقافيا.. الخ. ويمكن مقارنة ذلك المقبول اجتماعيا بالتطور الاجتماعي والثقافي اللاحق فتكون الأغاني الشهيرة التي يذيع صيتها في مراحل مختلفة بمثابة دليل يمكن من خلاله تكوين فكرة متماسكة عن كيف تطورت المجتمعات.