نفيسة الصباغ تكتب لماذا نكره أجسادنا

قسم : شهرزاد   

كما آلة غريبة لم تستخدم من فترة، مركونة بين “الكراكيب” في ركن مهجور من البيت.. هكذا هو الجسد بالنسبة لكثيرات مننا.. لا ندركه ولا نريد التعرف عليه وإن عرفناه نكرهه.. فقط لأننا مستهدفات بسببه.. فهو نقطة ضعفنا التي يهاجمنا بسببها المتحرشون في الشارع والأنظمة التي تريد إسكات أصواتنا، والمشايخ الذين يرغبون في إسقاط كل شهواتهم وغبائهم وتدنيهم علينا فيتخذون أجسادنا ذريعة لذلك.

حين حاول الأغبياء والمتحرشون رفض الاعتراف بأنهم نكرات لا شيء أنجزوه في حياتهم.. هاجموا بطلة العالم في الاسكواش نور الشربيني وكانت الحجة الجاهزة هي “جسدها” الذي ظهرت أجزاء منه فلم يروا غير ساقين وذراعين وقرروا إسقاط فشلهم وتخلفهم عليها فقط لمجرد أنها امرأة.. هو نفسه الجسد الذي استهدفه النظام خلال حصار نقابة الصحفيين.. فكان التركيز من “المواطنات الشريفات” في حماية قوات الأمن على الصحفيات والتحرش بهن وسبّهن والطعن في أعراضهن، فقط لأنهن نساء تجرأن على قول “لا” لنظام يمتهن كرامة الصحافة..

قبلها فعلها نفس النظام الذي لم يسقط في التحرير حيث الاعتداءات الجنسية الجماعية والتحرش وقبلها أيضا كانت كشوف العذرية.نفس الطريقة التي اتبعها النظام ذاته مع المتظاهرات يوم الأربعاء الأسود 25 مايو 2005, حين تم التحرش بهن من قبل قوات الأمن بزي مدني وبلطجية الحزب الوطني –لم يكن مصطلح المواطنين الشرفاء موجودا بعد- وكانت واقعة التعدي على الزميلة الراحلة نوال علي سُبّة في جبين كل من شاركوا وباركوا العدوان..

وفي شهادتها قالت نوال: “كانت أيديهم تعبث بصدري، ويتحرشون بكل المناطق الحساسة من جسدي، مزقوا ملابسي واعتدوا علي بأيديهم… وقعت بوجهي على الأرض وفوجئت بعدد كبير من هؤلاء البلطجية فوقي، يتحرشون بي مرةً ثانية ويعبثون بكل مناطقي الحساسة. بدأت في الصراخ طالبةً النجدة وظللت أصرخ إلى أن فقدت الوعي. لم يكونوا يحاولون أن يضربونني، ولكنهم كانوا يعتدون علي جنسيًا، وكانوا يمزقون ملابسي بكل وضوح. وانتهى بي الأمر وأنا عارية تقريبًا نتيجةً لذلك… سحلوني على السلالم، واخترقوا بي الحلقة الأمنية، وألقوا بي على الرصيف أمام جميع الضباط (كان منهم إسماعيل الشاعر رئيس مباحث القاهرة آنذاك) وكل من كانوا واقفين هناك.  خلع حسين متولي زميلي قميصه وغطاني به. وغادرنا قبل أن يتكرر الاعتداء”.

لم يختلف النظام لكن المجتمع يتغير للأسوأ، فما ترعاه الدولة ممثلة في عصاها الغليظة “وزارة الداخلية” ينتشر في المجتمع كله.. والعدوان على النساء في الشارع الذي كان مرفوضًا مجتمعيًا في أزمان سابقة ويعتبره المصريون “سُبّة” في حق الرجل الذي يرتكب هذا الفعل.. أصبح فعلا اعتياديا شائعا بفضل النظام المصري وبفضل “مشايخ الغفلة” الذين يبررون دوما “إيه اللي وداها هناك” أو “هي لابسة كده ليه” أو “اقعدوا في البيت”

..أصبحت كثير من الفتيات والنساء يعادين أجسادهن لكل أسبابها، ولكن السبب الأساسي هو النظام المتحرش والمجتمع المعقّد العاجز، فكلاهما قرر استهداف جسد المرأة للانتقام وإثبات القوة ونفي العجز. وبالتالي بمجرد الخروج من مصر تبدأ كثيرات في محاولة التعرف من جديد على أنفسهن.. ننظر للمارات في الشوارع بأجساد مختلفة وكل منهن تتعامل بأريحية شديدة مع جسدها… ولم لا فهي تملكه ولا يهاجمها الجميع بسببه أو من خلاله.. فلم تعايش يوما مشهد نسوة يمسكن بساقيها كي يقطع شخص ما جزءا من جسدها وسط فرح وتهليل النساء الأكبر سنًا ،فقط لأن الجميع يخشى جسدها حتى قبل أن ينمو.. لم تشعر بالخوف والرعب من السير في الشارع في عز النهار ووسط عشرات البشر لأن أياد كثيرة ستمتد لتنتهك جسدها الذي حرصت على إخفائه تحت طبقات من الأقمشة دون جدوى..

نكره أجسادنا بالفعل ونشعر أنها الباب الذي تطالنا أغلب الشرور من خلاله لا فرق بين ابنة أسرة محافظة أو متشددة، بسيطة أو غنية أو متفتحة.. فكل النساء هنا مستهدفات بسبب أجسادهن، منهن من تتمكن من أخذ حقها والغالبية يتجرعن الألم في صمت خوفا من “العار” و”الفضيحة”.. خصوصا إذا كان الانتهاك يحدث من أحد أفراد العائلة.. فهناك من اعتدى عليها عمها أو أخيها أو أبيها وهددها إن أفصحت فصمتت لأن الأسرة “المحافظة” لن تصدق وستعاقبها هي في النهاية.. وهناك من يتعرضن للانتهاك في المدرسة من زملاء أو زميلات أو مدرسين وترعبهن مجرد فكرة الإفصاح خوفا من “الفضيحة” ويعشن مشوهات نفسيًا بسبب الشعور بالذنب…أصبحنا نكره أجسادنا ونكره هذا المجتمع وكثيرات منا يكرهن النظام، الذي يشجع على انتهاكنا ويستغل أجسادنا لتشويهنا وقمعنا في بيئة تعادي النساء وترسم ملامح عجزها على أجسادهن.